الصفحة الرئيسية

الارشيف 
 2000 - 2001 - 2002 - 2003 - 2004 - 2005 - 2006 - 2007 - 2008 - 2009

ثلاث وثلاث وثلاث!

رياض الحسيني

كاتب وناشط سياسي عراقي مستقل

www.zaqorah.com  

التحركات التي تشهدها الساحة السياسية العراقية على مستوى القادة ليست وليدة الساعة كما انها لم تكن كما تبدو كردة فعل على المذكرة القضائية التي صدرت بحق نائب رئيس الجمهورية الدكتور طارق الهاشمي. هذه التحركات لم تفتأ ان تخمد حتى تشتعل جذوتها من جديد كلما خسر طرف وكسب طرف اخر مناوئ او كلما بدى في الافق نجاح لطرف يحسبه الطرف الاخر خسارة له او بالاحرى كلما فشل القادة في التوصل الى حل وسط يضمن لسفينة العراق الوصول الى بر الامان.

القائمة العراقية لم تعد كما هي بالامس فقد دخلت البرلمان وهي تتعكّز على واحدا وتسعين نائبا في البرلمان المكون من ثلثمائة وخمسا وعشرون. لم يبق منها اليوم منضويا تحت رئاسة الدكتور اياد علاوي الا مايقارب السبعون نائبا في احسن الاحوال وجلّهم من اتباع الكتل الاخرى وذلك بعد خروج الكتلة البيضاء (8 اعضاء) بقيادة السياسي المخضرم حسن العلوي. تبع هذا الانسحاب انسحاب اخر لمجموعة اخرى عُرفت بكتلة الشباب العربي بقيادة النائب طلال الزوبعي (5 اعضاء) اعلنوا انضمامهم الى الكتلة البيضاء. تخلل هذه الانسحابات الجماعية انسحابات فردية امثال النائب شاكر كتّاب والنائب زهير الاعرجي والنائب فتاح الشيخ واخرين. هذا فضلا عن انسحابات مماثلة في مجالس المحافظات من قبيل ماقام به اعضاء من حركة الوفاق ومن العراقية من محافظة واسط تبعه انسحاب كتلة محافظة ذي قار بالكامل فيما يُتوقع ان تتوالى الانسحابات في المرحلة القادمة، والسبب حسب البيانات الصادرة من الجميع تبدو واحدة وهي (التهميش والطائفية والانحراف والتفرّد بالقرارات والاملاءات الخارجية). هذه الانسحابات جعلت من موقف الدكتور اياد علاوي ضعيفا امام ائتلاف دولة القانون خاصة وامام التحالف الوطني والكتل الاخرى عموما. هذا مايعلل اعتماد الدكتور اياد علاوي في تحركاته الميدانية اليوم على شركاءه في القائمة العراقية امثال رئيس البرلمان السيد اسامة النجيفي الذي اجتمع مع السيد جلال الطالباني بالامس وذلك في خطوة باتجاه كسب موقف رئاسة الجمهورية كما يبدو لكنه في حقيقته كسب الموقف الكردي او كما يسميه البعض (بيضة القبان). ايضا هذه التطورات كانت سببا في تغيير لهجة القائمة العراقية وتحوّلها من داعم ومتبني لدعوة الانتخابات المبكرة الى رافض لها وبشدة بدعوى انه يمكن اصلاح الحكومة وتشكيل اغلبية سياسية وهو تحول كبير من اقصى اليمين الى اقصى اليسار. خصوصا وان دعوة " حكومة اغلبية سياسية" كما يعرفها الجميع هي دعوة ائتلاف دولة القانون برئاسة نوري المالكي.

القائمة العراقية وان كانت هي اليوم اضعف منها بالامس الا انها تمثّل مكون رئيس في المجتمع العراقي لايمكن تجاوزه بأي حال من الاحوال ايا كانت الخلافات والتجاذبات. لذلك فهي تطالب بثلاثة هي (اقرار مجلس السياسات الستراتيجية، اصدار العفو العام، وتشكيل الاقاليم). ترى كم هي حظوظ القائمة العراقية وماهي ادواتها التي تضغط بها باتجاه تحقيق هذه المطالب خصوصا وان المالكي اليوم يتربع على قاعدة شعبية اكبر من السابق واسناد برلماني اكبر بكثير من ذي قبل؟! أيضا اعتبار الاكراد (بيضة القبان) واتكال القائمة العراقية على هذه البيضة في فك ارتباطها بائتلاف المالكي والتحوّل الى العراقية يكاد يكون مستحيلا. لذلك يبدو ان (بيضة القبان) ومن وجهة النظر الاكثر قبولا وواقعية هو التيار الصدري بنوابه الاربعون والجميع يعلم لولا هذه البيضة لما صار سهلا بمكان ان يعتلي السيد نوري المالكي كرسي رئاسة الوزراء للمرة الثانية.

التيار الصدري هو الاخر له مطالب ثلاثة من المالكي تمثلت منذ اليوم الاول للاتفاق مع ائتلاف دولة القانون وهي (اطلاق سراح السجناء، اعطاء الصدريين حصتهم من وظائف الداخلية والدفاع والامن الوطني ضمن مااطلق على تسميته محليا "ضباط الدمج"، اضافة الى الملف الامريكي وطبيعة التعامل مع امريكا). ايضا يتهم التيار الصدري المالكي بانه لم يوفي بالتزاماته التي قطعها على نفسه في حال وقوف كتلة الاحرار (40 نائبا) في التصويت جنبا الى جنب مع ائتلافه (89) نائب  والكتلة الكردستانية (57) نائب.

الكتلة الكردستانية هي الاخرى تنتقد المالكي وتتهمه بالمماطلة بين فينة واخرى وذلك في ابرز ثلاث قضايا تمثلت في (تنفيذ المادة 140، عقود استخراج النفط والغاز مضافا اليها ميزانية حرس الاقليم "البيشمركة"). لكن الحقيقة هي ان القائمة الكردستانية قد حصلت على كل ماجاء في ورقة التفاوض بين وفد ائتلاف دولة القانون ووفد الكردستانية وذلك قبيل تشكيل الحكومة ومنها منصب رئاسة الجمهورية. ماتبقى من الاتفاق لايعد عقبة كبيرة وانما خلاف فني يمكن حله بجلسة واحدة في بغداد او اربيل. ترى هل سيؤدي هذا الكسب الاضخم من جهة واختلاف وجهات النظر في مسائل فنية بسيطة من جهة اخرى سببا في فقدان حليف ستراتيجي للاكراد ممثلا بائتلاف دولة القانون ورجل قوي مثل المالكي؟ هل القادة الكرد بهذه السذاجة التي تجعلهم يضحّون بكل المكاسب التي حصلوا عليها وبميزانية وصلت الى اثنان وعشرون مليار باتفاق جديد مع حلفاء جدد الله وحده يعلم مايخبئونه او ماسيأتي الزمن به من مفاجئات؟! من يعرف القيادة الكردية عن قرب لن يتردد بالضحك على سؤال ساذج من هذا القبيل ويعد من يسأله لايفقه من امور السياسة ودهاليزها شئ!

ائتلاف دولة القانون بزعامة السيد نوري المالكي ولحد اللحظة يُعد اكثر الكتل تماسكا وتمسّكا بممثله الوحيد لرئاسة الوزراء وهو المالكي نفسه. هذا التماسك اغرى البعض ممن انفصلوا عن الكتلة العراقية ان ينخرطوا ضمن ائتلاف دولة القانون وهو مايعده البعض نصرا للمالكي وسياسته بينما تتهمهم العراقية التي انفصلوا عنها بانجرارهم وراء اغراءات بمناصب ووعود بمكرمات. ائتلاف المالكي ايضا له مطالب اهمها: (تشكيل حكومة اغلبية سياسية، تعديل الدستور وبما يتناسب مع وحدة العراق ارضا وشعبا وثالثهما وقف تعاملات كتلة العراقية مع دول الجوار خارج نطاق الحكومة والبرلمان والبروتوكول الدولي المتعارف عليه).

من هذا يتبين ان الهوة اوسع بين مطالب ائتلاف دولة القانون وكتلة العراقية مقارنة مع مطالب كتلة الاحرار والكردستانية مما يجعل الامر اكثر صعوبة في التوصل لنتائج جذرية وحلول ناجعة لمعضلة البلد. فالسقف المرتفع للمطالب من كل الاطراف يجعل حظوظ نجاح الطاولة المستديرة كحظوظ امرأة قد تجاوزت سن الاربعين بفارس احلام لايتعدى العشرون ربيعا. المؤكد ان الثلاثة التي ينتفع بها الشعب العراقي هي (الخدمات، الاستقرار السياسي والامني والاقتصادي، وثالثها خبز بكرامة وحرية بانتظام). اما الثلاثة التي يجب ان نتجنبها فهي (تمزيق وحدة العراق، اراقة المزيد من الدماء، الاستقواء بالخارج). لذلك فاننا امام تحديات كبيرة ستثقل الطاولة المستديرة وتتمثل بثلاثة مطالب للاحرار وثلاثة للعراقية وثلاثة للكردستانية مقابل ثلاثة لائتلاف دولة القانون، فاي ثلاثة ينتفع بها الشعب العراقي واي ثلاثة يكمن فيها حقن دماء العراقيين؟!

بعض العراقيين يؤكد ان الحل في عراق مستقر يتمثّل بالخلاص من ثلاث هم نوري المالكي واياد علاوي ومسعود البارزاني. ايا كان الحل فان الجميع متفق اننا بحاجة الى ثلاث لابد منها وثلاث لاغنى عنها وثلاث يجب تجنبها.

 

كانون الاول 27 2011

© Copyright zaqorah.com all rights reserved                                              لامانع من اعادة النشر مع ذكر المصدر

اتحاد الكتاب والصحفيين العراقيين في المهجر