أرشيف الجرائد  

الارشيف 
 2000 - 2001 - 2002 - 2003 - 2004 - 2005 - 2006 - 2007 - 2008 - 2009

كلا كلا للمحتلين ... كلا كلا للتكفيريين ... كلا كلا للطائفيين  ... كلا كلا للمفسدين والمرتشين ... كلا كلا للمتآمرين

 

8 شباط 1963... مَن المسؤول ؟!

 

بقلم: ريــاض الحسيني

ربما يتسائل البعض عن جدوى نفض الغبار عن دفاتر التجارب القديمة خصوصا تلك التي طوى النسيان احداثها ، وتجاوزت وقائع الحياة تفاصيلها، فضلا عن اننا لسنا من صانعيها! الجواب بسيط وهو اننا لازلنا نعاني مرارتها وقسوتها تماما كما لو كنا من صنـّاعها ومن مدبريها ؟ لا زلنا ندفع ثمن اخطاء من سبقونا ونقاسي لنجعل غد اطفالنـا افضل من امسنا. نعم نحن شركاء ان لم نكن على قدر من الشجاعة وسمو الروح ونتفوه بكلمات عجز عن النطق بها هؤلاء واولئك .

 

لا شك ان التأريخ ذمة في اعناق من يكتبوه. ولاننا لم  نشهد الحقبة الزمنية التي سبقت انقلاب 14 رمضان عام 1963، فاننا نعتمد في قراءاتنا على ماكتبه ممن عايشوا تلك الفترة , وبالاخص الذين واكبوا الاحداث وكانوا جزءاً منها , أو ساهموا في هيكلتها بخيرها وشرها. وقبل الولوج في انقلاب 8 شباط 1963 في العراق وتداعياته وافرازاته، لابد ان نعي جيدا ان التأريخ سلسلة من الحلقات، وان وضع حلقة واحدة تحت المجهر لايكفي، بل لايصح البحث، وبالتالي فان النتيجة تكون غير دقيقة والمعلومة تبدو ناقصة. لذا يتطلب البحث الموضوعي التطرق ولو بشكل موجز ومختصر الى الاسباب والمشاكل التي دعت الى اتباع اسلوب الانقلابات في العراق بدلا من صندوق الاقتراع، وما انقلاب 8 شباط الا اسوأها.

اذا ما عدنا الى ظروف تأسيس الدولة العراقية ونشأتها نجد ان الارادة الوطنية كانت شبه معطلة او مشلولة بعض الشئ. فما ان خرجت القوات العثمانية من الشمال حتى دخلت القوات البريطانية من الجنوب! وهذا بحد ذاته موضعا جعل من الشعب العراقي يقاتل على جبهتين قويتين، شرستين، طامعتين، فضلا عن انقسام الشارع العراقي بشأن المحتل السابق والمنتدب القادم. كما ان تفرد بريطانيا بالعراق تبعا لمعاهدة (سايكس بيكو)، جعلت مطاليب الشعب العراقي العادلة قابلة للتفاوض والمناقشة، وبالتالي التنازل عن بعض منها لضمان البعض الاخر.

اتفقت كلمة العراقيين على تنصيب حاكم عربي. لكن ما ان تم تنصيبه حتى راحت بريطانيا ترغّب تارة وترّهب اخرى في محاولة كانت القوى الوطنية على دراية وعلم بها، وهي الوصاية على العراق دولة وشعبا بكل ما تعني الكلمة من معنى.

بعد حصول العراق على استقلاله عام 1932 دخل الشعب العراقي مرحلة جديدة من العهد الملكي، لكن الوضع لم يتغير كثيرا، حيث لم تُطلق الحريات كما كان متوقعا. ولم تشهد تلك الفترة أي اختلاف عن سابقتها، الا اللهم في بعض القضايا المحدودة.

استمرت الاحتجاجات الشعبية والنقابية مطالبة بانفتاح سياسي وحريات غير مشروطة الامر الذي ادى الى استخدام القسوة والشدة خصوصا من الوزارات التي تعاقبت على الحكم والتي وصل عددها الى 37 وزارة في فترة وجيزة. تلك الاضطرابات اوجدت نوعا من اللاثقة بين السلطة الممثلة بالملك والحكومة الممثلة برئيس الوزراء وبين الشعب، الامر الذي استوجب العمل السري. وبهذا فان الاحزاب التي اثرت العمل السري على العلني لا تتحمل الارث الدموي الثقيل الذي حدث في العراق لوحدها، بل تشاركها فيه الحكومة الملكية وخصوصا حكومة نوري السعيد باعتباره اكثر شخصية شغلت منصب رئيس الوزراء خلال العهد الملكي. عُرف عن نوري السعيد بانه جاداً وحازماً، بل وقاسياً، حاد الطبع، عصبي المزاج، سريع الغضب. وبهذه الشخصية الحديدية فلا يمكن ان تنال التيارات الديمقراطية والليبرالية والوطنية على ما تصبوا اليه من الشراكة السياسية والمشاركة في الحكم الذي يهيمن عليه الملك ومريدوه. وبذلك يكون العهد الملكي قد وضع حجر الزاوية لسياسة التهديف في الظلام والعمل السري الذي يفرز حتما إرهابيين.

هذه الظروف الغير طبيعية أوجدت نوعا من التوجس والحذر، وفرضت ازمة ثقة بين تيارات المعارضة التي بدا وكأنها متصارعة على عرش العراق. اضف الى ذلك تدخل اطراف دولية بعينها لكسب موطأ قدم لها في منطقة الخليج العربي خاصة اكد هذه الانشقاقات. وهذا ما رسخته الحرب الباردة فيما بعد بين القطبين الامريكي والسوفياتي.

ثورة 14 تموز عام 1958 اوجدت نوعا من النشوة لدى التيارات الوطنية وبارقة امل للخروج بالدولة من الكبت السياسي والاختناق الاقتصادي الى حيث الحرية والمشاركة الفعلية في الحكم. لكن اختلاف النظرة الى الامور اوجد نوعا من الضغينة مرة اخرى، لكن هذه المرة بشدة اكبر وعنف حزبي طاف على السطح، ومتورط فيه الجميع. ظهرت في تلك الحقبة مقولة مفادها (ان لم تكن معي فانت بالضرورة ضدي)، وهذا بحد ذاته اوجد شرخا عميقا بين الاحزاب خصوصا الحزب الشيوعي وحزب البعث. تجاذب الاديولوجيات لهذين الحزبين والاختلافات بينهما جعلت الشارع العراقي يخوض في دوامة من العنف والدم. حيث تحرك كل منهم وسط قناعة حزبية ضيقة وروح ثورية هائجة بانه لا مجال للفشل، وان مستقبل العراق متوقف على نجاحهم فقط، وان المشاركة غير ممكنة. وبذلك انقسمت الوحدة الوطنية الى شقين رئيسيين، عربي قومي، وشيوعي ليبرالي. بينما الحقيقة هي انه لم يكن هنالك اية اليات او تصورات لكلا الطرفين عن ادارة الدولة ومؤسساتها. وسط هذه العقلية كان الصدام حتميا.فتصدرت هتافات الشيوعيين (الما يصفق عفلقي)، بينما ختمت صحيفة (الاشتراكي) الداخلية التابعة لحزب البعث بمقال (تقطع اليد التي تمتد الى الشيوعية).كما لايخفى تصدي مؤسس الجمهورية العراقية الزعيم عبد الكريم قاسم الى المصالح البريطانية في العراق واصداره قانون (80) القاضي بتأميم النفط العراقي، اعطى الادارة البريطانية مبررا لتصفية الرجل باية طريقة ووسيلة، ولم يكن افضل من ابناء الجلدة لتنفيذ تلك المهمة، فقام انقلاب 8 شباط بقيادة حزب البعث وهو موضوع البحث.

بدأت نذر الحرب كغيوم كثيفة تغطي سماء العراق، لكن هذه المرة تختلف عن سابقاتها. فبفضل ضيق الافق الذي تمتعت به تيارات ذلك العهد فان الاختلاف في الرأي والعقيدة سيقود العراق والشعب الى الهاوية، وهذه المرة على ايدي الوطنيين انفسهم. وهم بذلك قد قدموا خدمة جليلة لبريطانيا وامريكا من بعدها باعتبارهما المستفيد الوحيد من كل تلك الجعجعة. جرت اتصالات على مستوى القيادات الحزبية وقمة الهرم التنظيمي. فاستلمت القيادة البعثية شروط الادارة الامريكية في وقوفها الى جانبهم ومنها: القيام بمظاهرة تبين للعالم حجم تأثير وقوة الحزب في العراق، فضلا عن تهيئة بعض قادة الجيش لعمل انقلابي مسلح. اما الشيوعيون فبدت القيادة السوفيتية انذاك اكثر رومانسية مما ادى الى الفتك بهم من جانب غريمهم الشرس البعثي القومي. الثمن الذي دفعه الشيوعيين العراقيين كان باهضا جدا والسبب يرجع الى تلك القراءة الخاطئة للقيادة الشيوعية العالمية. فبعد ان وزعت الادارة الامريكية الادوار الى البعثيين، قابلتها الشيوعية السوفيتية بالمثل عن طريق السفير السوفييتي في العراق انذاك. لم يكن يفكر الشيوعيين بان قوة البعثيين تؤهلهم للمسك بزمام الامور وقيادة دولة. لذلك اراد الشيوعيين للبعثين التحرك نحو الانقلاب وبذلك يقدم البعثي فرصة لغريمه الشيوعي للفتك به هذه المرة عن طريق ضربهم في الصميم ضربة لن يستعيد البعث القومي عافيته بعدها الى الابد! لكن (تجري الرياح بما لا تشتهي السفن).

حشّد البعثيين قواعدهم وقامروا بكل ما يملكون. بطبيعة الحال لم يكن الرئيس جمال عبد الناصر ببعيد عن تلك المؤامرة. فبعض الاسلحة المصرية وعشرين الف دينار كانت كافية للاطاحة بحكم الزعيم عبد الكريم قاسم وسط مريديه ومؤيديه، وعلى مرأى ومسمع من الحزب الشيوعي الذي قام بتهييج الشارع العراقي في عملية يائسة بائسة لم تجدي نفعا، بل ضرا.

خلاصة القول ان انقلاب 8 شباط لم يكن لينجح لولا تدخل الايادي الاجنبية من جهة، وهذا ما اكده الامين العام لحزب البعث (علي السعدي) وفي اكثر من مناسبة حينما يقول (جئنا بقطار ماكينته امريكية)؟! ومن جهة اخرى قراءة الزعيم الخاطئة والتي عوّل من خلالها على قدرة الشعب العراقي على حماية ثورته وزعيمهم. هذا الاحساس الذي لم يفارق قاسم حتى اخر لحظات الحراجة وهو محاصر في مقر وزارة الدفاع جعل منه زعيما اوحدا على مر العقود، وجعل من انقلاب 8 شباط صفحة سوداء في التأريخ العراقي الحديث.

 

 

 

               
 

 

اتحاد الكتاب والصحفيين العراقيين في المهجر

مبضع الجرّاح