أرشيف الجرائد  

الارشيف 
 2000 - 2001 - 2002 - 2003 - 2004 - 2005 - 2006 - 2007 - 2008 - 2009

كلا كلا للمحتلين ... كلا كلا للتكفيريين ... كلا كلا للطائفيين  ... كلا كلا للمفسدين والمرتشين ... كلا كلا للمتآمرين

 

قتال الأفعى في جحرها ضرب من الجنون !

أسباب إخفاق الحرب الأمريكية الثالثة لحد الآن وسبل تصحيحها...

بقلم: ريــاض الحسيني

ربما كانت السيناريوهات المعدة من قبل البنتاغون لاجتياح العراق مختلفة بعض الشيء عما نشاهده الآن، وخصوصا بعد ان واجهت القوات الامريكية القادمة من جنوب العراق مقاومة شرسة اقرب الي قتال الشوارع وحرب المدن منها الي القتال الميداني العسكري البحت، الامر الذي ادي الي تغيير في الخطة المعدة سلفا.
من المؤكد ان الادارة الامريكية كانت تعول علي الضغط الشعبي العراقي الذي يمكن ان تفرزه الحرب الموجهة ضد نظام الرئيس صدام حسين وبالتالي الاطاحة به بشكل اسرع في عملية اشبه بما حصل ابان حرب الخليج الثانية عام 1991. لكن وبعد ان تمركزت القوات العراقية غير النظامية في المدن وفي كل بيت وزقاق، الأمر الذي جعل القوات الامريكية في مأزق وفي مرمي التشكيلات الحزبية والفدائية للنظام، وهو ما ادي الي تغيير في الخطة الهجومية التي تستهدف القضاء التام علي حكم الرئيس العراقي صدام حسين وطاقمه.
ربما تكون الادارة الامريكية قد اخطأت التقديرات حينما عجّلت الاجتياح البري عبر الجنوب وصولا الي بغداد حيث رأس النظام العراقي وتمركز القوي. وربما انها اخطأت التقديرات ايضا حينما عوّلت علي التمرد الجماهيري ضد نظام صدام حسين، متجاهلة بذلك الذاكرة المتقدة للشعب العراقي الذي خذلته تلك الادارة في عام 1991، والخوف من تكرار الحدث نفسه خصوصا وان الحرب ما زالت بين ذات الطرفين وتحمل ذات الشعارات فضلا عن احتفاظ النظام بقوته. بذلك تكون الادارة الامريكية قد فقدت أبلغ مساندة لها وهي قوة الشعب العراقي علي الانتفاض وقدرته علي تغيير موازين القوي. وعلي اية حال فان الادارة الامريكية كانت تتوخي من خلال انتقاء الاهداف المعدة للقصف الجوي التعاطف الشعبي معها لانها استهدفت النظام وقيادته ولم تستهدف 1991، وهذا ما افقدها عنصر المفاجأة والمباغتة (شل الحركة) وهما اهم عنصرين في تلك الحرب. لكن هذه النقطة بالذات ايضا لم تكن قد حُسبت بالشكل الدقيق من قبل الادراة العسكرية الامريكية نظرا لادراك القيادة العراقية ان هذه هي نقطة الضعف في الهجوم الامريكي وبذلك قد مسكت تلك القيادة الادارة الامريكية من (الخاصرة الخاوية). لقد كانت تتوخي الادراة الامريكية تعاطفا جماهيريا عراقيا فضلا عن الدعم العالمي لبرنامجها الاصلاحي كما صرحت به مرارا وتكرارا واذا بها تُفاجأ بحرب من نوع اخر. حرب اشبه بمد اليد الي جحر الافعي السامة!
من سوء الحظ ان تلك الحرب مستهجنة من قبل أغلب الهيئات والمؤسسات الدولية وهو الامر الذي جعل الادارة الامريكية في موقف اضعف مما كانت عليه عام 1991. وما زاد علي ذلك هو فقدان تلك الادارة للمساندة العلنية لاقرب الحلفاء لها في المنطقة وخصوصا دول الطوق العراقي. اضف الي ذلك ان الترسانة العربية الاعلامية المتعاطفة مع النظام العراقي والتي سجلت حضورا فاعلا ومتميزا علي خلاف حربي الخليج الاولي والثانية والتي كان الاعلام العربي فيها غائبا كليا وسط حضور اعلامي غربي مساند للحلفاء، اضاف شرخا اخر الي قائمة الشروخ التي يعاني منها جسم الادارة الامريكية في تلك الحرب. لكن ما هو الحل وما هي النتيجة اذا ما أدركنا ان خيار الضربة النووية المحدودة لم ولن يكون خارج حسابات البنتاغون خصوصا اذا ما استعمل العراق اسلحة غير تقليدية لاحقا، او اذا ما اوقعت تلك الحرب خسائر بشرية فادحة بالقوات الامريكية والبريطانية؟! او اذا ما اخذت تلك الحرب اطرا ومنحنيات مختلفة عما هو مقدّر ومرسوم لها؟
التحركات السريعة الاخيرة للادارة الامريكية العسكريتارية عبرت عن هذا التساؤل بخطوات فعلية ميدانية عدة منها:
1 ــ الايعاز الي كل الدول التي لها علاقات دبلوماسية مع العراق بضرورة غلق السفارات العراقية وطرد ممثليها في عملية تضييق الخناق علي القيادة العراقية ودفعها الي الاستسلام من جهة وسحب الشرعية الدولية عنها من جهة اخري، وذلك تمهيدا لاسقاط اية حصانة دولية يمكن ان تحفظ لقيادة صدام حسين ونظامه أي شكل من اشكال الدعم. كذلك تراهن الادارة الامريكية من وراء ذلك علي اتفاق المعارضة العراقية علي تشكيل حكومة مؤقتة تفتح المجال للاعتراف بها دوليا مما يعني القضاء التام علي حكم الرئيس العراقي صدام حسين نهائيا.
2 ــ الايعاز الي القوات الامريكية بضرورة الابتعاد عن دخول المدن العراقية المحررة قدر الامكان مع فتح قنوات اتصال مع قادة المقاومة المتمركزة في تلك المدن املا في الاستسلام الفوري (وان كان مشروطا). وفي هذا السياق شهدت الفترة الاخيرة تقدم القوات الامريكية والبريطانية الي بغداد بشكل سريع ولافت متجاهلة اية ممانعة في المدن وذلك عن طريق سلوك الطرق الخارجية والالتفاف حول المدن في عملية ضرب نوع من الحصار من جهة، ومحاولة اخراج قوات النظام الي خارج المدن من جهة أخري، وبالتالي ستكون لقما سائغة تثير شهية قوات التحالف الجوية. ربما سيحصل هذا الامر اذا ما اشتد الضغط علي بغداد لاحقا، لكن في الفترة الحالية تحاول قوات الامن الخاص وفدائيي صدام وكوادر الحزب من احكام قبضتها علي المدن في عملية اشبه بتحصن الافعي في جحرها. وهذا الاخير نال استحسان صدام حسين وهو ما عبر عنه في خطابه الثاني.
3 ــ اعتماد المعلومة الصحيحة والابتعاد عن التصريحات الاعلامية قدر الامكان وخصوصا تصريحات الحرب النفسية التي اثبتت فشلها في الايام الخوالي. تلك التصريحات التي جلبت لقوات التحالف نوعا من عدم الارتياح ان لم نقل (أزمة ثقة) خصوصا وسط وسائل الاعلام. وهذا السلاح الذي تراهن عليه الادارة الامريكية دائما في حروبها فشل فشلا ذريعا اما خبرة الرئيس العراقي صدام حسين والمحيطين به في استغلال تلك الوسيلة ابشع استغلال. وهو ما جعل الادارة الامريكية ان تعيد النظر في توجيهه.
4 ــ تجميد ارصدة الرئيس العراقي وطاقم حكمه في العالم اجمع في خطوة لمنع فراره أو لجوئه المحتمل الي دول أخري تري في الحرب الامريكية الثالثة فاقدة للشرعية الدولية.
ربما ستشهد الايام القادمة تطورات سريعة وربما حتي تجاوزات علي القانون الدولي. وطالما ان الرئيس الامريكي قد صرح مرارا انه يطلب النصر ولا شيء غيره، وان نظام الرئيس العراقي يدافع عن حكم العراق وأحقيته في الحكم وحقه في الحياة، فلا بد ان نعي ان كل شيء محتمل في تلك الحرب التي لا يبدو ان فيها خط رجعة للطرفين المستميتين. وان كان الامر في النهاية محسوم لصالح الحلفاء فانه لا يمكننا تجاهل حجم الخسائر التي ستمني بها المنطقة برمتها اذا ما لدغت الافعي يدا طالما رمت لها طوق النجاة، لكن هذه المرة تحاول هذه اليد خنق الافعي والي الأبد والتطهر بروحها من الاثام والخطايا.



AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1464--- Date 28/3/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1464 --- التاريخ 2003 - 3 - 28

http://217.158.5.9/azzaman/articles/2003/03/03-27/659.htm

 

 

               
 

 

اتحاد الكتاب والصحفيين العراقيين في المهجر

مبضع الجرّاح