أرشيف الجرائد  

الارشيف 
 2000 - 2001 - 2002 - 2003 - 2004 - 2005 - 2006 - 2007 - 2008 - 2009

كلا كلا للمحتلين ... كلا كلا للتكفيريين ... كلا كلا للطائفيين  ... كلا كلا للمفسدين والمرتشين ... كلا كلا للمتآمرين

 

أخطر واغرب أطروحة في التأريخ البشري!

"انتم أولى بها منا صليا"

  صحيفة السياسة الكويتية - العدد 12340 بتأريخ الاول من نيسان 2003

بقلم: ريــاض الحسيني

جلّنا قد تبسمر في الايام الاخيرة أمام شاشات التلفزة، المحلية منها والاجنبية، الفضائيات منها او الارضية، في البيت وفي العمل، في النوادي وفي المقاهي، باختصار شديد في كل مكان. وكما هو متعارف في مثل تلك الاحوال وفي خضم سياسة (كل يغني على ليلاه)، نرى هنالك اتفاقا او يكاد يكون اتفاقا بين الفضائيات العربية، وهو كسب اكبر عدد من المشاهدين من خلال اعطاء المشاهد العربي المغلوب على امره والمغرر به ما يود ان يسمعه، مدغدغين بذلك مشاعره الفياضة ومستغلين عواطفه النبيلة وذلك من قبيل:

1.     ان الحرب الامريكية الصدامية تستهدف الامة العربية من المحيط الى الخليج وان صدام ليس هو المقصود او المُستهدف !

2.     الغرض من الحرب هو تطويق العرب وجلب الامن لاسرائيل واعادة ترتيب خارطة الوطن العربي !

3.     الغرض منها هو السيطرة على منابع النفط العراقية وثروة العراق وضخ المزيد منه لتدفئة اسرائيل !

4.     تفكيك دولة العراق الى دويلات ثلاث على أقل تقدير !

5.     تشريد الشعب العراقي وتسكين المهجرين الفلسطينيين في جزء منه !

الى غيرها من التخمينات والنظريات التي تنظر الى المستقبل بمنظار سوداوي، وتزيد الشارع العربي غليانا وضجيجا وصخبا. بينما كلها قد اتفقت في لقاء غريب من نوعه ولم يسبق له مثيل، على ضرورة نسيان الماضي البغيض للرئيس صدام حسين وحزبه وما فعلوه على فترة 35 عاما في داخل العراق وخارجه، وما سيفعله ان مرت أزمة القضاء عليه بنجاح ونفذ بريشه كما يقولون؟!

من وجهة نظر هؤلاء ان ما يتوجب على العراقي هو ان ينسى حلبجة، وان ينسى قصر النهاية، وان يغض الطرف عن السجون ودوائر الامن والاجرام وكل التجاوزات. يجب على الزوج ان ينسى اغتصاب زوجته امام عينيه من قبل ازلام النظام. وان على الام ان تنسى دم ولدها الوحيد الذي نحروه امام ناظريها بدم بارد. وعلى مقطوع الاذن ان يطلب العفو من قاطعها. وعلى موسوم الجبهة ان يسجد لصدام! بل يذهبون الى ابعد من ذلك، فيطلبون ان يقف الشعب العراقي باكمله الى جانب صدام في محنته ويدافعوا عنه معللين ذلك بالعدوان الخارجي الذي يجب التصدي له ومن ثم التفرغ الى المسائل الداخلية التي نختلف عليها. يتم تصوير الامر وكأن الشعب العراقي قد اصبح في يوم من الايام وقرر ان يكون معارضة، هكذا من دون مقدمات ! او اننا قد اختلفنا مع الرئيس صدام على نعجة او بقرة صفراء فاقع لونها !

رغم ان الطرح الفلسفي هذا فيه من الواقعية شئ وهو ما يجب فعله في الظروف الطبيعية التي تكون فيه الحكومة منتخبة من الشعب وان معارضتها تتشكل تبعا للاخطاء الادارية التي تقع فيها الحكومة. او من قبيل تقديم المعارضة امتيازات ومزايدات انتخابية للشعب على الطرف الاخر. وهذا ما لا ينطبق على حال مثل حال العراق وطبيعة الرئيس صدام حسين وديكتاتوريته ودموية حزبه. وفي الوقت الذي لم يكن لشعب العراق رأي في انتخاب صدام ولا تنصيب البعث حاكما على مقدرات العراق، فانه لاضير من مسايرة اصحاب هذه الفلسفة القومية والتسليم لهم على ضرورة التخندق مع صدام ضد امريكا ولكن، من يضمن عدم رجوع صدام مرة اخرى لينكّل بالمعارضة اشد تنكيل واكثر من السابق ؟ (وهو المعروف بسياسة تقبيل اليد الى ان يتسنى له كسرها)! ومن يضمن ان المعارضة العراقية ستستطيع ان تقف ضد صدام مرة اخرى (هذا اذا سلّمنا باحتفاظ المعارضة بمشروعية عملها بعد ذلك وان الحرب لن تنهكها)! ومن سيؤوي المعارضة للقيام بعملها المشروع لازالة صدام ؟ هل ستسمح دول الطوق مثلا بهكذا عمل ؟ ولو ضمنا سماح دول الطوق بهكذا عمل! فلم لم يسمحوا بذلك مسبقا ؟ والحال هذا وبدلا من ان تأتي امريكا الان لازالته وتدخل المنطقة في انذار (ج)، فلم لم يوفروا كل هذا النعيق ويدخروا ثروات العراق التي يتباكون عليها، وارواح العراقيين التي صارت غالية بين ليلة وضحاها الى اسقاط النظام الصدامي عربيا. بيد ان اهدار دمه من داخل اروقة القمم العربية افضل بكثير من تدخل دولة اجنبية لتخليص العباد والبلاد منه ومن فعله الاجرامي.

الامر لا يخرج عن كونه مزايدات اعلامية وكسب سياسي لهذا الطرف على ذاك. وعلى هذا الوتر لعب الاخوة من دعاة القومية العربية التي اكل الدهر عليها وشرب. فضلا عن الخوف الشديد والهاجس المخيف الذي يتملك انظمة محددة مما حدى بها لتهييج الشارع العربي اكثر من اللازم واكبر مما يستدعي الموقف. وفي الوقت الذي لم نر فيه مظاهرة عربية واحدة تندد بما فعله صدام من جراء غزوه لدولة الكويت وتشريد شعبها الامن الاعزل على الرغم من تسليم كل الدول العربية بعلاقة نظام الرئيس صدام حسين الممتازة مع الادارة الامريكية انذاك، فاننا لم نر ايضا مظاهرة قومية واحدة تندد بوقوف تلك الدول العربية مع امريكا لاجتياح العراق وقصم ظهر الجيش العراقي الذين يتباكون عليه الان ويعولون عليه لاجتياح اسرائيل !

عن أي ثروة عراقية يتحدث هؤلاء وعلى أي جيش عراقي باسل يعوّل هؤلاء ؟ هل يعولون على بلد بعد ان كان دخل الفرد فيه يفوق العشرة الاف دولار، وديناره يساوي اكثر من ثلاثة اضعاف قيمة الدولار الامريكي وصار بسبب صدام وحزبه لايساوي ثمن طبعه ؟! وهل يعولون على جيش لا يتحرك الا بامرة صدام ولا يتحرك الا لقمع الشعب العراقي تارة او زجه في حروب نيابية خارجية خاسرة تارة اخرى ؟!

وبالرغم من انتفاء وجود ما يجمع بين الرئيس صدام حسين وحزبه من جهة والمعارضة العراقية من جهة اخرى، فاننا نستغرب لاطروحة رواد القومية العربية والذين يرون ضرورة وقوف المعارضة العراقية مع صدام ضد امريكا. بيد ان ما يجمع تلك الحكومات مع هكذا نظام اولى بالنضال والذود عنه باعتبار العراق دولة عربية وعضو في جامعة الدول العربية، وتبعا لمقررات القمم وما نصت عليه لوائح الجامعة العربية من الدفاع المشترك وان الهجوم على دولة عربية ما هو الا هجوم على الدول العربية مجتمعة، يجب الانخراط وارسال جيوشهم التي صدأت بنادقها للدفاع عن العراق وشعبه، ان كان حقا الهجوم الامريكي يستهدف العراق وثرواته! اما ان كانوا يعوّلون على المظاهرات الحزبية واللافتات والشعارات فحتما انها ستأتي بثمارها المتوخاة منها حينما تعيد فلسطين الى اهلها واهل القبور الى ذويهم، مع تحفضنا الشديد على كلفة تلك اللافتات التي بقيمتها يمكن ان تُطعم تلك الانظمة جياع شعبها.  

 

               
 

 

اتحاد الكتاب والصحفيين العراقيين في المهجر

مبضع الجرّاح