ديمقراطية الطوائف الى اين!

 

رياض الحسيني

كاتب صحافي وناشط سياسي عراقي مستقل

www.zaqorah.com  

 

قرأنا بشغف مقال الاستاذ نضال نعيسة المعنون "ديمقراطية الطوائف" ونظرا لاهمية الموضوع وحساسيته فقد وجدنا من الضروري ان ندلو بدلونا في هذا الموضوع ليس من باب الرد على الاستاذ نعيسة وانما لتلاقح الافكار واغراق الموضوع بمزيد من البحث فضلا عن عرض الوجه الاخر من القضية.

الوطن الاسلامي بشكل عام والعربي على وجه الخصوص يتألف من اكثر من جنس وعرق وهذه الاعراق والاجناس تتداخل فيما بينها ضمن اطر دينية واخرى قبلية وثالثة سياسية. هذا التنوع يجعلنا امام ثلاث كيانات يمكن ان نطلق عليها تسمية "الطائفة" وبالتالي فنحن في صدد الحديث عن الطائفة السياسية والطائفية الدينية والطائفة الاجتماعية او القبلية!

وجود هذه الطوائف ضمن الوطن الواحد وعلى الرقعة الجغرافية الواحدة يكون من الطبيعي بل ومن البديهي الاختلاف فيما بينها نظرا لاختلاف المنطلقات والاهداف والايدلوجيات التي تتحكم في كل منها فضلا عن التأثيرات الاخرى كالبيئوية والتعليم وسيكلوجية قياداتها وتفاعل قواعدها مع الاحداث. في النهاية نحن امام "احتدام" بين تلك الطوائف فتارة يكون هذا الاحتدام او التصادم بين الطائفة الدينية والطائفة السياسية خصوصا لو كانت الاخيرة تدعو الى منطق علماني وتؤمن به كحل وحيد لادراة دفة البلاد. اما التصادم الاخر فيحصل بين الطائفة السياسية والطائفة القبلية حينما تنازع الاخيرة الاولى على قيادة الوطن والامساك بزمام الامور السلطوية في محاولة لفرض حكم "عائلي" او حكم "ملكي". في كلتا الحالتين نرى ان الطائفة السياسية هي المشترك في الصراعات الطائفية لما تمثله من حركة عالمية تتخذ من شعارات الديمقراطية والحرية بابا للولوج الى قلوب المظطهدين والمعذبين في الارض. وبالتالي فان الطائفة السياسية تستهدف الوشائج الدينية من جهة والقبلية من جهة اخرى في محالة لفك الارتباط بين اعضاء كل فريق وكسبهم الى طائفتها لاغية بذلك "حق الاختيار" للفرد في الانتماء من عدمه! فالتاريخ القريب منه والبعيد يثبت للاسف ارغام المواطن على اعتناق الطائفة السياسية التي تحكم وابسط الامثلة على ذلك هو الشعار الذي اطلقه حزب البعث في العراق "انت بعثي وان لم تنتمي"! بينما على النقيض تماما فلانجد ارغام من جانب القبيلة ضد افراد القبائل الاخرى كما لم نشهد ارغاما من قبل طائفة دينية بعينها ضد افراد الطوائف الاخرى. بيد ان الطائفتين الدينية والقبلية تحاولان حفظ هوية الفرد التي تحاول الطائفة السياسية سلبها واذابتها بحجة "الولاء للوطن" وهو شعار تمويهي هلامي لايفهم منه سوى خدمة مجموعة بعينها اختزلت الوطن بمصالحها.

في ذات الوقت لايجب ان تكون المفاضلة تبعا للانتماء القبلي او الطائفي بقدر مايجب ان يكون التفاضل وفقا للمعيار الوطني! لكن هل الطائفة السياسية هي المؤهلة لتوزيع صكوك الوطنية على الاخرين؟! بالطبع كلا. فالتاريخ القريب اثبت وبما لايقبل الشك وطنية الكثير من الطوائف الدينية والقبلية لاوطانها بينما كشف عورات العديد من الطوائف السياسية وزور شعاراتها بل وتبعيتها الى الاجنبي راضية لنفسها ان تكون اداة محلية من ادوات المحتل وعين ساهرة له على ثروات الوطن وكرامة المواطن. بالمناسبة في بلداننا العربية نادرا ماتحل الاشكالات بين هذه الطوائف الثلاث بغير اراقة دماء وقطع اطراف وتخليف طابور من اليتامى والثكالى! وحتى نكون منصفين فالتاريخ العربي ملئ بالوقائع والاحداث حتى بين التشكيلات التي تنتمي الى الطائفة الواحدة فكم شهدنا صراعات قبلية واخرى على اساس ديني، وللامانة ايضا فلا يختص العرب بذلك دون غيرهم.

اما لو امعنا قراءة الاحداث وفقا لحجم الخسائر التي تكبدتها اوطننا وشعوبنا فلن نختلف على القول ان الطائفة السياسية هي الاخطر فاذا ما استطاعت تلك الطائفة ان تزيح عن طريقها الطائفتان الاخريتان فمن المؤكد انها ستنفرد بالمواطن والوطن وحينئذ تتحول من طائفة سياسية الى "ديكتاتورية" تقمع كل المخالفين لها ولو بالرأي. اما اقسى مايمكن ان تصل اليه الطائفة الدينية من الاستبداد فهو اقامة حكم ديني والحال كذلك مع الطائفة القبلية التي لن تتردد في اقامة "حكم ملكي" وفي النهاية فحكم الطائفة السياسية يكون اشد قساوة واكثر ضراوة من الاخريات لما تؤمن به من معتقدات سلطوية بغض النظر عن حجم الخسائر والافرازات اللاحق. اضف الى ذلك وعلى خلاف افراد الطائفة القبلية التي يرتبط افرادها برباط الدم والطائفة الدينية التي يرتبط معتنقوها برباط العقيدة اللاهوتية، فان افراد الطائفية السياسية ليس من جامع لهم الا السلطة.

من منطلق اذا مافهمت الطوائف الثلاث ان الطائفة تؤكد "حق المشاركة" وليس "الاستئثار" بالسلطة، واذا ماادرك المواطن ان الولاء للطائفة او للقبيلة انما هو جزء لايتجزأ من الولاء للوطن كقيمة عليا فلن يكون هنالك تصادم او احتدام. وبناءا على مفاهيم حل الازمات باقل الخسائر وحتى لاتنفلت الامور من عقالها فلا ضير من تقاسم السلطة بين تلك الطوائف الثلاث خصوصا لو كانت هذه الطوائف متعادلة القوى او متقارية في التأثير على الشارع لان تصارعها على السلطة حينئذ لن يسلم منه نسل ولاحرث.

   

 13-ايار-2006

 

 

               

اتحاد الكتاب والصحفيين العراقيين في المهجر

مبضع الجرّاح