أرشيف الجرائد  

الارشيف 
 2000 - 2001 - 2002 - 2003 - 2004 - 2005 - 2006 - 2007 - 2008 - 2009

كلا كلا للمحتلين ... كلا كلا للتكفيريين ... كلا كلا للطائفيين  ... كلا كلا للمفسدين والمرتشين ... كلا كلا للمتآمرين

 

نُشر المقال في صحيفة الاهالي الصادرة في الاول من تشرين الاول 2002 في اربيل العراق وضمن العمود الاسبوعي للكاتب 

لولا فتـوى العلماء !

مواقف العرب والأكراد مع الأتراك، وكل اناء بالذي فيه ينضح !

 بقلم: ريــاض الحسيني

تعتبر الحرب العالمية الاولى التحول الاضخم في تأريخ العراق السياسي الحديث. ولم يتأتى ذلك عن فراغ او محاولة للقفز على التأريخ بقدر ما للحقائق من تواجد، ومسلمات تأريخية لا مجال لانكارها او سفسطتها. حيث اعتبرت الاوساط العلمائية الشيعية تلك الحرب هي حربا على الاسلام لتقويض سلطته وكيانه السياسي والذي كان متمثلا بالدولة العثمانية انذاك رغم التحفظ على المحتوى الاسلامي لتلك الدولة.

وجدت روسيا فرصتها في الانقضاض على العراق مؤاتية جدا خصوصا بعد مرض الامبراطورية العثمانية وضعفها المتواصل نتيجة سيطرتها على مساحات شاسعة تحمل عوامل تفجرها في داخلها ومن دون حلول ناجعة فضلا عن التهديدات الخارجية المرعبة. الامر الذي ادى الى تنافس الروس والانجليز على العراق الذي كانت ترى فيه الدول الاستعمارية رأس الخليج العربي الذي كان لتلك الدول وغيرها اطماعا امبريالية فيه. لخص بطرس الاكبر قيمة الخليج العربي بقوله (من يملك الخليج يملك العالم). وعلى هذا الاساس سال لعاب الانجليز الذين كانوا اكثر تحمسا وجدية من الروس. فتحركت القوات الانجليزية من البحرين الى شط العرب لتحتل ميناء الفاو في 7 تشرين الثاني من عام 1914. وجدت تلك الدول ارضا خصبة لتحويل الامال الى واقع واحلامها الى وقائع حينما اعلنت روسيا حربها على تركيا في الحرب العالمية الاولى التي كانت ظرفا مناسبا لاقتسام تركة الرجل المريض. الامر الذي ادى فيما بعد الى اقتطاع فلسطين من الجسد العربي الى الصهاينة واعتماد وعد بلفور من قبل إنجلترا.

رغم العلاقة المتوترة بين الشعب العراقي الرازح تحت ظلام العثمانيين وظلم حكومة استنبول الا ان هذا الشعب الصامد المجاهد تناسى الماضي وتعامل مع متطلبات الحاضر. فهبت الجموع من علماء وعشائر دفاعا عن الحكومة العثمانية. وبالرغم من السياسة الطائفية والتمييز العرقي ضد شعب العراق الذي مارسته تلك الحكومة المغتصبة للارض والعرض. وبرغم ماالحقته سياسة الحكومة العثمانية بالعراق وتحت شعار الاسلام ودعاوى الحكم الاسلامي من الدمار وتفشي الفقر، الا ان الشعب العراقي لم يتنصل عن مواقفه المشرفة المعهودة، بل وتناسى ما فعله الاتراك بهم وما يفعله جلّهم من خساسة الافعال والمضايقات حتى في زمن القتال الى جانبهم. وبالرغم من اصدار العلماء لفتاوى الجهاد ضد الانجليز والوقوف الى جانب العثمانيين الا ان ذلك لم يشفع للشعب العراقي في ان يتلقى معاملة حسنة من قبل المحتل التركي ولو في زمن الحرب على الاقل. كان على رأس الحركة الجهادية اية الله العظمى السيد مهدي الحيدري الذي كان له من العمر ثمانون سنة، واية الله العظمى السيد محمد سعيد الحبوبي الذي وافته المنية بعد عودته من المعركة.

كان بعض رجال القبائل يبيعون ما لديهم من متاع واثاث على ما عليهم من فقر، لكي يبتاعوا بثمنه سلاحا، اطاعة لفتوى العلماء في الدفاع عن بيضة الاسلام الذي كانت تمثله تركيا انذاك. اضف الى ذلك رفض العلماء استقبال أي اموال تركية لتمويل الحرب وهو ما لخصه رد السيد الحبوبي حينما حاول القادة الاتراك اعطاءه مبلغ خمسة الاف ليرة ذهب يضعه تحت تصرفه، فرفض ذلك بشدة قائلا (اني مكلف بالتضحية في مالي ونفسي فاذا نفد المال بقيت نوبة النفس). كانت روحا ثورية جهادية خالصة تنم عن اخلاق اسلامية وخط واضح وتتسم بكرم عربي اصيل لا تشوبه شائبة الغل والحقد والتكبر والاستعلاء الفارغ.

وفي الوقت الذي يقدّم فيه المجاهدون في معركة الشعيبة ثلاثة الاف شهيد، حيث كان من بين الشهداء والاسرى علماء دين امثال الشيخ باقر حيدر والشيخ عيسى مال الله. حيث بلغ عدد المجاهدين اكثر من ثلاثين الف راجل وعشرة الاف فارس، كان من بينهم ما بين 600 – 1500 فارس من الاخوة المجاهدين الاكراد، حيث قدموا الى النجف الاشرف فزاروا مرقد الامام علي عليه السلام وغادروها في طريقهم الى الشعيبة. في تلك الاثناء العصيبة والمعارك الضارية كان جنود الدرك الاتراك يعيثون في الارض فسادا ويمارسون ابشع الاعمال خسة ودناءة في النجف الاشرف. وبحجة البحث عن الفارين عن الخدمة العسكرية اخذوا يداهمون البيوت ويتحسسّون اجساد النساء بدعوى خشية ان يتنكر الهاربون بزي النساء ! الامر الذي ادى الى اخراج القوات التركية من النجف الاشرف في حركة تمرد مسلحة ولمدة ثلاثة ايام. بعدها تم تشكيل ادارة محلية للمدينة استمرت حتى عام 1917 حيث احتل الانجليز بغداد.

قرر الانجليز الانسحاب بعد اليوم الثالث من ضراوة المعركة والذي كانت فيها الغلبة للمجاهدين الذين اشتبكوا بالسلاح الابيض مع القوات الانجليزية. الامر الذي طلب فيه الجنرال الانجليزي (مليس) سرية النقل بسرعة لنقل جرحاه قبل انسحاب قواته. غير ان الاتراك ظنوا ان سرية النقل هذه امدادات جديدة للقوات البريطانية، فقرروا الانسحاب بسرعة.

ولان هزيمة الاتراك في العراق على يد الانجليز انما جاءت بسبب جبنهم وتقديرات القادة الاتراك الخاطئة الا انهم لم يجدوا بدا من القاء اللوم على المجاهدين والشعب العراقي وتوبيخهم.

وهو ذات الامر الذي لم يستسيغه شيخ بني مالك (بدر الرميض) حينما وجه احمد بك اوراق احد قادة الاتراك انذاك، اتهامه للمجاهدين بالخيانة وذلك بعد انتصار الانجليز على القوات العثمانية في معركة الشعيبة في 14 نيسان 1915. مما جعل رد الشيخ عنيفا فقال له (انتم الخونة للاسلام .. وتحزبّكم ضد العرب كاف لمصداق قولي .. وانتم بعد هذا اولى بالحرب والقتال ممن نحارب، ولولا فتوى علمائنا لما وجدتمونا في هذه الساحات التي نقاتل فيها).

 

 

               
 

 

اتحاد الكتاب والصحفيين العراقيين في المهجر

مبضع الجرّاح