أرشيف الجرائد  

الارشيف 
 2000 - 2001 - 2002 - 2003 - 2004 - 2005 - 2006 - 2007 - 2008 - 2009

كلا كلا للمحتلين ... كلا كلا للتكفيريين ... كلا كلا للطائفيين  ... كلا كلا للمفسدين والمرتشين ... كلا كلا للمتآمرين

 

نشرتها جريدة نداء الرافدين – العدد 248 – 13/9/2001

الحركة التوافقية .. بين جمال الدين  والجواهري

 بقلم: ريــاض الحسيني

لا شك ان الخطوط المتوازية التي اتسمت بها حياة كل من الشاعرين السيد مصطفى جمال الدين ومحمد مهدي الجواهري سواء اكانت تتعلق بالسيرة الذاتية ، او المسيرة الادبية فانها تتطلب وقفة تأمل ربما لم يلتفت اليها الشاعرين  ؟ او أي احد من المقربين منهما !؟

يمكن القول على انهما ينتميان الى جيلين في نفس الوقت ، نظراً للفترة التي عاصرها كل من الشاعرين وهي فترة (التطعيم الخصب) في نصوص الادب العربي اذا جاز التعبير ، فنجد كل منهما قد عاصر ولادة الشعر الحر والقصيدة النثرية مثلاً .

لنرجع الى الوراء قليلاً ونبحث عن نشأة كل من هذين الشاعرين قبل الخوض ببحور الشعر والانسجام بينهما . فمثلاً نجد ان السيد مصطفى جمال الدين قد ولد في العراق – سوق الشيوخ ، أي في بيئة محافظة على التقاليد والاعراف فضلاً عن

الالتزام الديني كما هو معروف عن الجنوب العراقي ككل .

منذ نعومة أظفاره لبس العمامة ودرس الاجرومية وكان لحفظ الفية بن مالك الاثر البالغ في حفظ اصول النحو والصرف عنده . لم يلبث الا ان انتقل الى النجف فيما هو مركز الاشعاع العلمي الاسلامي العالمي . وبهذا الانتقال الجغرافي استطاع  ان ينهل السيد مصطفى من النبع الخصب دون نضوب وبلا هوادة .

فاستطاع بذلك ان يجمع بين العلوم الدينية والادبية في نفس الوقت .

اما شاعر العرب المرحوم محمد مهدي الجواهري فكانت نشأته في العراق ايضاً وعلى وجه التحديد في بغداد والتي يحق ان يقال عنها حاضرة الادب والعلم على مر العصور ، ومن اسرة علمية محافظة ايضاً .

من الجدير بالذكر ان المهرجانات الادبية والاحتفالات الدينية التي كانت تقام في النجف وكربلاء في فترة الخمسينيات والستينيات كانت صاحبت الفضل على كلا الشاعرين من حيث النشأة الادبية وصقل الموهبة الشعرية وهو على النقيض مما قالته وزارة الاعلام العراقية في تقديمها لديوان الجواهري من ان " الشعر يضيع في حضرة الزاوية الدينية" فالتاريخ الاسلامي ملئ بالشعراء الذين كانت لهم مكانة دينية مرموقة وادبية يحسدون عليها امثال السيد الحلي والحبوبي والرضي وغيرهم من الفطاحل.

انه لمن النادر ان تجد شاعرين ينتميان لنفس الفترة والبيئة ويشتركان في نقاط جوهرية من النشأة وحتى الممات فضلا عن النتاج الادبي والمعاناة

مثل ما حدث مع المرحومين جمال الدين والجواهري .

فاذا ما اخذنا مثلاً الشعر السياسي وهو الغالب على شعر كل منهما فاننا نجد المرحوم جمال الدين يصف حبه للوطن وصفاً حياً يحمل الروح العطشى الممزوجة بالعاطفة فيقول:

اديم ثراك اروع ما نفدّي  ونبع رباك اجود ما نذودُ

احبك بل احب خشوع نفسي   بباك حين احلم بي اعودُ

ويا وطناً سيقينا الحب فيه   وشب فيه على الدعّة الوليدُ

ولا يقل المرحوم الجواهري في وصف عاطفته الجيّاشة نحو مسقط رأسه ومحط ايام صباه وذكرياته البغدادية فيطلق العنان لقريحته الشعرية فيقول :

اقول وقد شاقتني الريح سحرة        ومن يذكر الاوطان والاهل يشتقِ

الا هل تعود الدارُ بعد تشتتٍ       ويجمع هذا الشملُ بعدَ تفرُّق

وهل ننتشي ريح العراقِ وهل لنا        سبيلٌ الى ماء الفرات المصفِّق

وكأي شاعر يحس بهموم امته وشعبه والوضع المتدني الذي يعيشه العالم العربي خاصة والاسلامي عامة من التقسيم الاستعماري وهيمنة المصالح الفئوية الشخصية وعلى حساب المكافح العربي فتتولد عنده روح النقد البنّاء لتعديل مسيرة الامة نحو تفاعل اقوى مع القضايا المصيرية فاننا نجد المرحوم جمال الدين يوظف نقمته على الوضع بتلك الابيات مخاطبا بريطانيا ومحملا اياها الوضع الماساوي الذي تعيشه الامة العربية من التشتت :

قلت : من غيركِ قد صيرني شلوا مخذمْ

وبنى في كل بيتٍ دولة عظمى .. واعظمْ

من اقام الجيش والدستور ، حتى للمخيم !!

أأنا صيّرت فِرعونك سلطانا معظم ؟!

ويوافقه الرأي نفسه المرحوم الجواهري فيقول :

وما لضياعنا امل يرجّى  سوى ان يجمع الشمل البديدُ

فيالك من امة قُسِمت ثلاثا  وعشرينا وتسأل هل مزيدُ

تُعد لكل واحدةٍ طبول    وحرّاس وترتفع البنودُ

وعند الهند ربع الكونِ عدّا   وفي شطرين تنقسم الهنودُ

الى ان يقول :

ولم يعطي الجدودَ القدس يوما   ولا احتلت فلسطينا يهودُ

يمكنني ان اصف المرحوم مصطفى جمال الدين على انه من (شعراء الخشبة) ، واقصد بذلك الخشبة التي كان يحملها الشاعر الكبير دعبل الخزاعي والتي قال فيها مقولته المشهورة ( احمل خشبتي منذ اربعين عاماً ولم اجد من يصلبني عليها ) .
نعم فالجرأة الادبية والسياسية والنابعة من صدق العقيدة والمبدأ في طرح القضايا هي اولى مقومات شخصية جمال الدين .
واذا ما تناولنا رثاء جمال الدين فلا نبرح الا ان نختار قصيدته التي القاها تخليدا لذكرى سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين (ع) التي يقول فيها :

 

ذكراك ، تنطفئُ السنينُ وتغربُ  ولها على كفِّ الخلودِ تلهُّبُ

لا الظلم يلوي من طماح ضرامها            ابدا ،ولا حقدُ الضمائرِ يحجبُ

ذكرى الاباءِ يرى المنيةَ ، ماؤها            اصفى من النبعِ الذليلِ واعذبُ

ويسترسل شاعرنا الى ان يبين ان عقيدته وحبه للحسين لم يكونا عن تقليد اعمى وتأثير بيئوي فيقول :

انا لست شيعيا ، لان على فمي  ذكر الحسينِ اعيد فيه واطنبُ

ولان امي ارضعتني حبهُ  ولانه لابي وجدي مَذهبُ !

لكنني اهوى الحسين لانه   للسالكين طريق خيرٍ ارحبُ

هذا الموقف نفسه يتكرر مع المرحوم الجواهري فعينيته ستكون شفيعة له يوم الحساب بلا شك والتي كان لها دوي في كل اقطار العالم العربي والاسلامي لم يخفت صداها الى اليوم وهو يرثي الامام الحسين (ع) والتي كُتبت بالذهب الخالص على المرقد الشريف والتي كان مطلعها :

فداءٌ لمثواك من مضجعِ تنوَّر بالابلج الاروعِ

باعبق من نفحات الجنا  نِ روحا ، ومن مسكها اضوع

ورعيا ليومك يوم "الطفوف" وسقياً لارضكَ من مصرع

وحزنا عليك بحبس النفوسِ على نهجك النّيّـر المهيع

الى ان يقــول :

شممت ثراك فهب النسيم نسيم الكرامة من بلقع

وعفرت خدي بحيث استرا حَ خدٌّ تفرَّى ولم يَضرع

فيابن "البتول" وحسبي بها ضماناً على كل ما ادّعي

وبمناسبة الحديث عن الذهب فان قصيدة المرحوم جمال الدين المكتوبة على مرقد السيدة رقية (ع) بالذهب في دمشق لهي بحق من القصائد الخالدات :

رقدت به بنت الحسين فاوشكت   حتى حجارة ركنها تتوقدُ

كانت سبية دولة تبنى على   جثث الضحايا مجدها وتشيّدُ

من الالوان الشعرية الاخرى التي اعطى كل من الشاعرين حقها هو الغزل واذا ماجال بخاطرنا ان نسبح في الغزل والتغزل فلا يقل هذين الشاعرين مرتبة عن كثير عزة واشباهه فتعزف قيثارة المرحوم الجواهري فورته "انيتا"

اني وجدت "انيت" لاح يهزني  طيف لوجهك رائع القسماتِ

الق "الجبين" اكاد امسح سطحه  بفمي ، وانشق عطره بشذاتي

ومنوِّر "الشفتين" ، كادت فرجةٌ  ما بين بين تسد من حسراتي

متوزع الجنبات يرقب قادماً  شق وآخر مال للطرقات

حسبي وحسبك شقوة وعبادةٌ           ان ليس تفرغُ منك كأس حياتي

ويتكرر الحس المرهف مع جمال الدين نفسه مرة اخرى ولكن هذه المرة يكون الغزل ممزوجاً بألم الذكريات فيناشد حبيبته :

عودي فقد ضيّعت بعدك ذاتي          ونسيت كيف اذوقُ طعمَ حياتي 

وعرفت كيف يتيه في غمر الضحى       طرفٌ لفقدكِ زائغُ النظراتِ

يا وهج اشعاري ، وزهو خواطري        وضِمادَ اوجاعي ، وبُرء شَكاتي

واذا ما ابحرنا في ليالي بغداد والتي لم يخلوا من التغزل بها أي ديوان لاي شاعر عربي زارها ، فكيف بمن ولد وعاش وذاق اطايب العيش فيها

فيقول جمال الدين في قصيدته "بغداد" :

بغداد ..ما اشتبكت عليكِ الاعصرُ       الا ذوتْ ووريقُ عُمركِ اخضرُ

مرت بكِ الدنيا ، وصبحك مشمسٌ     ودجت عليكِ ، ووجه ليلكِ مقمرُ

وتتكرر الحركة التوافقية مع الجواهري في قصيدته "بغداد"

لا در درك من ربوع ديار قرب المزار بها كبعد مزارِ

يعفو الدوار برأس من يشتاقها ويصاب –وهو يخافها- بدوار

هوت الحضارة فوقها عربيةً وتفردت "اشورُ" بالاثار

بابن المقفع ، وابن قدوسِ وبالحلّاج والموحى له بشّار

بعد هذا السرد الموضوعي المتواضع للحركة التوافقية بين كل من المرحوم السيد مصطفى جمال الدين والمرحوم محمد مهدي الجواهري والتي نامل ان تكون محط اعتبار لدى الباحثين والنقاد ، فاننا نجد ان هذا الانسجام والتكامل لم ينتهي برحيلهما الى الرفيق الاعلى ، بل استمر حتى بعد الممات فعند زيارتك الى القطر العربي السوري الشقيق وما ان تضع قدمك على عتبة مقبرة السيدة زينب (ع) فاول ما يشد انظارك هو قبر المرحوم محمد مهدي الجواهري والذي تفرّد بوضع خارطة العراق المصنوعة من المرمر على قبره والذي ابى الا ان يدفن على مقربة منه من يوافقه اتراحه واحلامه وايام صباه فكان قبر المرحوم السيد مصطفى جمال الدين . كأني بهم يرسلون رسالة من خلال هذا التواصل مفادها ان لا افتراق , فالقضية واحدة والمصير واحد والجماهير الكادحة العصامية ستكمل المشوار ما دامت قمة الهرم السياسي العربي غير مستعدة للنهوض باعباءها حفاظاَ على مصالحها الشخصية

 

 

               
 

 

اتحاد الكتاب والصحفيين العراقيين في المهجر

مبضع الجرّاح