أرشيف الجرائد  

الارشيف 
 2000 - 2001 - 2002 - 2003 - 2004 - 2005 - 2006 - 2007 - 2008 - 2009

كلا كلا للمحتلين ... كلا كلا للتكفيريين ... كلا كلا للطائفيين  ... كلا كلا للمفسدين والمرتشين ... كلا كلا للمتآمرين

 

سلب ونهب وتعدٍ على حرمات الله .. من المسؤول ؟!

أسباب ثلاث ونظرة محايدة لما يجري في العراق ..

بقلم: ريــاض الحسيني/ إعلامي عراقي

بالتحديد بعد الاغتيال الأول لمؤسس الجمهورية العراقية الزعيم عبد الكريم قاسم في شارع الرشيد في عام 1959 من قبل كوادر وصفوة حزب البعث، دخل العراق فترة أخرى من العمل السياسي تختلف جذريا عما هو معهود في فترة الحكم الملكي، ألا وهي فترة تصفية الخصوم السياسيين عن طريق السلاح الجبان. ولم تهدأ تلك السياسة حتى كتابة هذا المقال، ولا اظنها ستنتهي الا اذا ما استوعب السياسيين قبل غيرهم انهم مُستهدفون في النهاية جميعا .. وبالدور.

ولاننا في عالم السرعة فقد جاء اول اغتيال سريعا كما هو  سقوط البعث. فقد طرّزت سكاكينه ورصاصاته جسد السيد الجليل مجيد الخوئي رغم تواجده في الحرم المطهر لامير المؤمنين. وفي الوقت الذي نكّس الجندي الامريكي فوهة بندقيته احتراما واكبارا واجلالا لعلي بن ابي طالب (ع)، فلم يتورع اهل العراق عن اراقة وهدر دم طاهر انما جاء ليخلصهم من حكم فرعون. ولا غرابة في ذلك فقد تجرءوا من قبل على حرمة رسول الله بقتلهم فلذة كبد الرسول وسيد شباب اهل الجنة، فما أجراؤهم على الله !

وبنظرة تحليلية للاسباب التي ادت الى تلك الفاجعة الاليمة التي لا تبشر بخير ابدا في عراق الغد، نجد ان اولى تلك الاسباب واشدها هو الانظمة القمعية التي هي اساس كل خراب ودمار لحق  بالشعب العراقي على مدى السنون قديما وحديثا. ولو تفحصنا السبب الذي من جراءه تعرضت بعض الدوائر الحكومية للسلب والنهب والتخريب نجد ان الحكومة المستبدة والطغيان الاهوج ايضا المحرك الاول لمثل تلك الممارسات المتخلفة. فعقود من الكبت والحرمان والذل والتجاوزات كانت كافية لان تُترجم على شاكلة انتقام من نوع اخر خصوصا وان شخص الحاكم لا زال فارا متواريا عن الانظار. كان التنفيس عن هذا الكبت بصورة عفوية توجه نحو كل ما يمت الى النظام بصلة بدءا من المدرسة التي اتخذها البعثيون منطلقا للمظاهرات المنظمة القسرية والهتافات الهوجاء وانتهاءا بمقر الفرقة الحزبية الذي يُعتبر رمز الظلم والديكتاتورية والقهر والتسلط. وفي الوقت الذي ترجم النفر القليل كبتهم بتلك الطريقة العفوية فقد توجهت الاكثرية الغالبة الى صوره واصنام الحاكم التي بناها من قوت ودماء الشعب العراقي لتشهد تحطيما وضربا مبرحا "بالنعال". وبطبيعة الحال فلم تسلم دور الفاشيست من اتباعه من التحطيم نظرا لما مارسه هؤلاء من قهر واعدامات منظمة ضد شعب العراق.

ونحن نتلمّس طريقنا نحو مصدر الخلل، يقتحم حدث اغتيال السيد مجيد الخوئي كل مكان مدويا في كل بيت ليصل صداه الى كل ارجاء المعمورة ولمن يراقب الاحداث على ارض الرافدين. وفي الوقت الذي ينعم صدام واعوانه بحرية التخفي او الهروب الى بلد اخر او التخطيط لاعمال اجرامية انتقامية اخرى، نجد من يتولى انزال حكم الموت بالابرياء، فاية مهزلة هذه ؟! وفي الوقت الذي جاء فيه السيد مجيد الخوئي وغيره ممن ارهقهم حب العراق والحنين لتربته للمساهمة في اختصار المعاناة ومنع ازهاق الارواح، والبدء بمرحلة جديدة من حكم  الشعب لنفسه تحت طائلة القانون الذي غُيّب لعقود ثلاث، يطفو الى السطح نفر ممن تربوا على اخلاق وطباع البعث ليمطروا نفرا اخرين بوابل من الرصاص والسكاكين وكأن ثأرهم مع مجيد الخوئي وليس مع البعث وصدام.

السبب الثاني هو ان القوات الامريكية ومن ورائهم حكومتهم بطبيعة الحال وراء كل تجاوز وكل قطرة دم بريئة  تُراق على ارض العراق. ولو استطعنا ان نحسبها كما حسبتها الادارة الامريكية "بالملّي"، نرى انها انما جاءت تبعا لدراسة سايكلوجية صرفة. ففي الوقت الذي تعي فيه الادراة الامريكية ان الشعب العراقي عانى سنين من القهر والظلم والتسلط وانه حتما سيعبر عن ذلك بطرق شتى ربما تفاجئ الامريكيين، فقد فضّلوا التفرج وعدم التدخل حتى تبيان الموقف. هذه النظرة تنطبق تماما على الطفل الذي يختزن طاقة يحتاج الى فضاء وعمل لتفريغها، وان لم تهيئ له ما يُفقده تلك الطاقة الكامنة فانه سيتجه حتما لافتعال الشجار مع من هم بالقرب منه او التوجه نحو انفاعالات اخرى من قبيل كسر موجودات البيت. ولان الادارة الامريكية احرص من غيرها على ارواح جنودها فقد فضّلت ان يفرّغ العراقيون شحنتهم ببعضهم وببناهم التحتية دونما حتى اطلاقة واحدة في الهواء تنبئ الجماهير بوجود قانون ورادع.

اضف الى ذلك لو رجعت بنا الذاكرة الى عام 1991 نجد ان غياب النظام والممارسات هي نفسها. وما هذا الا دليل اخر على مدى الكبت الذي خلّفه النظام في نفوس الشعب العراقي. لكن في الجهة المقابلة من كلا الحدثين هنالك طبقة كبيرة تسمى "معارضة". ولا نقصد هنا الاطلاق والعموم في التسمية، بل نقصد وبالتحديد التيارات التي تصدرت امور العامة وأعطت لنفسها حرية التصرف بالعراق شعبا وارضا! فاين هي من كل ما يحدث ؟! هل كانت واعية لفترة ما بعد سقوط  صدام وما سيخلفه غياب السلطة القمعية من فراغ ؟! خصوصا واننا امام تأريخ لم يمر عليه الا اثنا عشرة سنة ؟! فهل هذه السنين كانت كافية للنسيان، ام انها تجاهلت الحدث ؟! كلا التساؤلين لا يصبان في صالح الاحزاب والحركات العراقية "العملاقة سياسيا". لقد كان الحري بهم تقديم البديل قبل الاطاحة بنظام صدام. وكان الاولى حفظ النظام وتوزيع الاتباع في كل مكان تحسبا لمظاهر الثأر والانتقام والتجاوز بدلا من التعويل على الجنود الامريكيين الذي لا يهمهم الا سلامتهم بالدرجة الاولى. ترى هل اثارت الشخصيات التي "حظيت" برؤية الرئيس الامريكي عن قرب تلك المخاوف والهواجس التي اثبتت انها حقيقية، بل وقادرة على تهديد ارواح الابرياء وتُنذر بحمّام دم لا يقل عن حمام البعث عام 1963؟ ام انها كانت تنتظر الشعب العراقي ان يُقدم لها فروض الطاعة العمياء، فضلا عن كرسيا رئاسيا فخما مهيئا للجلوس عليه تماما كما حلمت في العام 1991!

 AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1480--- Date 16/4/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1480 --- التاريخ 2003 - 4 - 16

 

 

               
 

 

اتحاد الكتاب والصحفيين العراقيين في المهجر

مبضع الجرّاح