أرشيف الجرائد  

الارشيف 
 2000 - 2001 - 2002 - 2003 - 2004 - 2005 - 2006 - 2007 - 2008 - 2009

كلا كلا للمحتلين ... كلا كلا للتكفيريين ... كلا كلا للطائفيين  ... كلا كلا للمفسدين والمرتشين ... كلا كلا للمتآمرين

 

قالوا: ما سبب وضع البيض الكردي كله في السلة الأمريكية ؟

قلنا السياسة عاهرة .. ولهذه الأسباب !

بقلم: ريــاض الحسيني

 

لو تفاخر الكرد بعدم احتواء لغتهم على كلمة "البغاء" فضلا عن خلوها من حياتهم اليومية لكفاهم شرفا وعلوا وزهوا بين الامم، فكيف وهم امة لا تقل شأنا عن بقية الامم والملل، واصحاب اصالة وعراقة وتأريخ ثر.

يقول باسيلي نيكيتين المستشرق الروسي ذو الثقافة الفرنسية في كتابه (الكرد) "يعود الكورد في أصولهم على الأرجح إلى الشعوب الفارسية". ويُقال "إن الكردي والجبل لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فحيثما يبدأ السهل يخلي الكردي المكان للعرب أو الترك أو الفرس". فيما تؤكد بعض الإحصائيات ان عدد الاكراد في العالم اليوم يقدر بأربعين مليون نسمة موزعين على دول عدة اهمها إيران وتركيا والعراق وسورية وأذربيجان وأرمينيا وجورجيا. وبذلك فهم امة لها خصوصيتها وتراثها وليست تابعة كما يُثار احيانا.

ولان العالم يتجه اليوم برمته نحو الاتحاد والاستقرار والتنمية، فانه يتوجب على تلك الدول التي تحوي الاكراد ان تنظر الى هؤلاء المواطنين باهمية اكبر مما هم عليه الان. واذا ما استثنينا العراق في الوقت الراهن فان بعض حكومات الدول المتبقية لازالت تنظر الى الاكراد على انهم مواطنون من الدرجة الثانية، ولا زال اكرادها يعانون التمييز والاضطهاد. هذه النظرة الدونية بحق الاكراد والحقوق المهدورة جعلت الكردي البسيط ينظر بعين الخوف دوما الى مستقبل مجهول يتكرر باستمرار لسوء الحظ.

اذا ما نظرنا الى الوراء قليلا نجد ان الكردي يقدم ابناءه الواحد تلو الاخر قرابين املا في غدٍ افضل من امسه ! واذا ما اخذنا العراق انموذجا للمعاناة الكردية رغم المكاسب التي حققتها التيارات الكردية الثورية على مدى العقود المنصرمة يتبين لنا حجم المعاناة والالم التي يعاني منها الاكراد ليس حاضرا فقط، وانما على خط متواصل منذ ان وُجدت تلك الامة على ظهر البسيطة.

واذا ما حددنا البحث في فترة القرن المنصرم بتأسيس الدولة العراقية الفتية بقرار بريطاني مع تنصيب الملك فيصل ملكا على العراق، يتبين لنا ان الاكراد كانوا في موقع الخسارة دائما. والسبب في ذلك يرجع  الى ان الاكراد كانوا دوما مستقلين في قراراتهم وليس لهم تبعية لجهة او دولة اخرى. فضلا عن انه لم تستهوهم هويات غير الهوية الكردية. هذا بحد ذاته كان كفيلا بان يجعلهم خارج اللعبة السياسية العالمية وموازين القوى الاقليمية. حيث يُنظر اليهم على انهم قوة غير فاعلة على الارض ! وما هم الا مجموعة من "العصاة"، خارجون على القانون، يتخذون من الجبال مأوىً للهروب من تطبيقاته ! لكن ما ان بدأت الحركات الثورية تجتاح العالم في فترة الخمسينيات والستينيات حتى بدأت القيادة الكردية تعي اصول اللعبة السياسية لتدخل المنتدى العالمي من باب لم تحدده الا القيادة الكردية بقيادة الملا مصطفى البرزاني انذاك. ربما تحالفات الملا مصطفى وقتذاك لم تكن بالمستوى الذي يمكن ان يجد الارضية الصلبة لمواجهة الاستعمار البريطاني في المنطقة. اضف الى ذلك عدم استعداد كلا من تركيا وايران والعراق وسوريا لتقوية الكرد والاعتراف بحقوقهم المشروعة نظرا لارتباط تلك الدول بالاستعمار في نهاية المطاف بشكل او باخر. كل ذلك كان يعوق من حصول الكرد على شريك قوي يمكن الاعتماد عليه في وقت الشدائد، ويحترم حقوق الانسان والاقليات في بلدانهم.

ولكن ما ان تسلّم حزب البعث السلطة في العراق، وعلى الرغم من تأييد القيادات الكردية انذاك لثورة البعث، الا ان ذلك لم يكن ليشفع لهم عند البعث من ممارسة الاخير سياسة الابادة والعسكرتاريا ضد الكرد دونما رحمة، وبلا هوادة، وبكل الاسلحة المتاحة. حيث لم تكن حلبجة اولها ولا الانفال اخرها ! هذه الاحداث جعلت القيادات الكردية التقليدية تنظر الى الامور بخبرة طويلة في مقارعة الانظمة الشمولية. حيث تسلحت تلك القيادات في نهاية الثمانينات باصول اللعبة السياسية العالمية. لكنها لم تكن قد رغبت بعد بلعب دور الصديق الحميم لدولة اجنبية ايا كانت. اضف الى ذلك انه لم تكن ايا من الدول العظمى على استعداد للتنازل والمطالبة بحقوق اقلية كالكرد ولو من حكومة دولة نامية مثل العراق. لكن ما ان اجتاح صدام الكويت حتى انقلبت كل الموازين وتمزقت البروتوكولات واصبحت العهود والمواثيق في مهب الريح. كان يوم الثاني من اب من العام 1990 يوما لا كمثله يوم حيث تبدلت فيه قناعات، وتراجعت فيه تحالفات. وكما يقولون "مصائب قوم عند قوم فوائد" فقد شاءت الاقدار ان يحصل الكرد على نصيب مما تم الاتفاق عليه فيما عُرف فيما بعد بـ (خيمة صفوان)، وبذلك اصبحت منطقة كردستان العراق منطقة امنة شبه مستقلة، الى يومنا هذا.

وبقليل من الشجاعة يمكن القول انه لم يكن هذا ليحصل لولا الارادة الامريكية ! بمعنى ان امريكا شاءت ان تكون للاكراد منطقتهم في شمال العراق. منطقة محرّمة على القوات البعثية الاقتراب منها او التحرش فيها الا بضوء اخضر امريكي وهذا ما حصل فعلا في منتصف التسعينات حينما اجتاحت فلول ما يسمى بالحرس الجمهوري البعثي القرى الكردية الامنة ؟! هذا الدرس اعاد لاذهان القادة الاكراد الكثير من العبر الغابرة والدروس التي آملوا انها قد اصبحت ضرب من الماضي البغيض. لكنهم صحوا يوما وفجأة على واقع مرير اخر الا وهو اجتياح من الحكومة البعثية وكأنها لن تُفطم الا على دماء الكرد. صحوا على واقع الفوه من قبل مرات عديدة الا انهم ولطيبة فيهم وحبهم للسلام قد آثروا على تناسيه والعيش للمستقبل. ولكن هيهات فالسياسة عاهرة لا تعرف للطيبة والاخلاق طريقا !

وبذلك تأكد لكل الاكراد قيادة وشعبا ان لا مناص من الاتكال على دولة قوية في مجلس الامن طالما ان الامر برمته لعبة دولية تستهدف تجريد الاكراد من كل شئ، حتى هويتهم .. وهذا ما تؤكده القوانين في تركيا مثلا. كان الاكراد ولا يزالون بين نارين، نار الغدر والاجرام من قبل الحكومة المركزية في عواصم دولهم، ونار التحريض الدولي الخفي ضدهم لإركاعهم. وبذلك فلم يكن للاكراد خيار في الاعتماد على امريكا. خياران صعبان احلاهما مر ! ولو كانت الحكومات المتعاقبة في بغداد مثلا قد حلّت المشكلة الكردية حلا جذريا بدلا من الاعتماد على شعارات فضفاضة، او القوة الوهمية، لكان للاكراد اليوم موقفا اخر غير الذي نراه منهم في الترحيب بامريكا على ارض العراق. ولو اطمئن الاكراد لدول الجوار وخصوصا تركيا، الحليف الامريكي القوي في المنطقة لكان الرفض لامريكا علنا ودونما خوف او توجس او ريبة ! لذا وبعد كل تلك المآسي، والاحزان، والتحالفات، والسياسة الدنيئة ضد الكرد يريد البعض منهم ان يقفوا ضد امريكا وضد دول الجوار ؟!

الحمد لله لان الاخوة الكرد قد استوعبوا قبل فوات الاوان لعبة التحالفات ومعاهدات تحت الطاولة وبدؤوا ينظرون الى اللون الابيض بروح شفافة. ذلك اللون الذي حُرموا منه عنوة لسنوات طويلة بطول معاناتهم، بينما طال كل بيت منهم لونا احمر غريبا على عاداتهم وتقاليدهم في حبهم للسلام والعيش مع الاخرين في وئام واحترام. اللهم احم العراق دولة وشعبا، اللهم احم الكرد امة مسالمة مطمئنة فاعلة.

 

 

               
 

 

اتحاد الكتاب والصحفيين العراقيين في المهجر

مبضع الجرّاح