أرشيف الجرائد  

الارشيف 
 2000 - 2001 - 2002 - 2003 - 2004 - 2005 - 2006 - 2007 - 2008 - 2009

كلا كلا للمحتلين ... كلا كلا للتكفيريين ... كلا كلا للطائفيين  ... كلا كلا للمفسدين والمرتشين ... كلا كلا للمتآمرين

 

شاعر لم يدب اليأس في عروقه

 

بقلم:ريـاض الحسيني

به من الفرات طبع، ومن النخيل .. والسنابل الخضر .. وجبال الوطن .. شمائل.

 لا يمكن ان نرتقي الى نفس وروح سيد النخيل المقفى بما تحويه ثنايا ورقة متواضعة، ولكن لابد من كلمة في ذكراه السنوية السادسة التي تطل علينا في الثالث والعشرين من تشرين الاول الجاري. ورقة نسطّر عليها بعض ما جادت به نفسه الطاهرة، ليس مناًّ منا عليه ولكن ردا لجميل يحمله كل ابناء الوطن فضلا عن القضية العراقية لشخص الدكتور مصطفى جمال الدين، حاضرا وغائبا.

مواقف وضاءة وتراث اصيل اغنى به المكتبة العربية والاسلامية بالاعمال الوطنية والادبية التي عبرت عن حب العراق خاصة والوطن الكبير عامة فضلا عن البحوث والدراسات. ذلك الموقف الذي اخذ من شاعرنا مأخذا لدرجة انه لم يبخل بالجود من اجله بحياته الطاهرة. ومن قبل ذلك جاد براحة البال وترك العيال. فسكن الغربة والتحف المنافي الواحد تلو الاخر، فأسكنته الغربة فضائها. والحق انه لم يدع لغير العراق سكن لروحه وان بدا للجسد مكان قسري دون رغبة. اليس هو القائل:

 

اديم ثـراك اروع  ما نفـدّي                  ونبع رباك اجود ما نـذودُ

احبك بل احب خشوع نفسي               بباك حين احلم بي اعـودُ

ويا وطناً سيقينـا الحب فيـه                 وشب به على الدعّة الوليدُ

 

كما وعاش وزير القلوب خطوب الدهر محنة فمحنة، واغتصاب الوطن يوما فيوما، ومجد بغداد الخالد مرحلة فمرحلة:

 

بغداد ..ما اشتبكت عليكِ الاعصرُ              الا ذوتْ ووريقُ عُمركِ اخضـرُ

مرت بكِ الدنيا ، وصبحك مشمسٌ                        ودجت عليكِ ، ووجه ليلكِ مقمرُ

وقست عليـك الحادثـات، فراعها                ان احتمـالك من اذاهـا اكـبر

فكـأن كبرك – اذ يسومك (تَيمَرٌ)                  عنتـا – دلالك اذ يضمك (جعفر)1

 

اقترنت مسيرة سيد النخيل الجهادية بمسيرة الوطن فكان نجما لامعا في سماء العراق.فلم يستطيع احد مهما كان ان يتخطى اسم الدكتور مصطفى جمال الدين حينما يذكر العراق ومآسي العراق.فبيته مرتع الاحفاد وكل العراقيين ممن سكنوا منطقة السيدة زينب عليها السلام بعد حرب الخليج احفاده واولاده. فيما مجلسه العامر بدا مسرحا للمداولات السياسية التي لم يكن للكثير من الساسة الكبار اليوم على الساحة العراقية غنا عن استشارته وطلب رأيه لما تمتع به الفقيد من حصافة الرأي وسداد البصيرة وعلو الشأن والهمة. كما لم تكن السجالات الادبية والرسائل الاخوانية بعيدة عن الروح التسامحية والهمة العالية للفقيد وذلك من خلال مجلسه الاسبوعي في ايام الاحد ومن بعده الاربعاء. فلم يجامل على حساب القضية المستعصية، فيبدي نقمته تارة على الوضع المتردي وينبئ محذرا بكوارث وبطول امد المعاناة وذلك من خلال تحليلاته وقراءاته الثاقبة للمستقبل تارة اخرى :

 

ايها المدلجون في ظلم المنفى                  قفوا فالطريق وعر معاق

ارجعوا او توحدوا           فالذي             انتم عليه مر الشراب زعاق

قد نجوتم والاهل صرعى وبُعثر           تم وقد شدّهم لحتف نطاق

وقصارى ما تأملون: تصاريـ           ـح سمان تلوكها الاشداق

وحوار مضى وآخر يأتي                   واجتماع عليهما وافتراق

ثم لا شئ .. غير انا قطيع                     باعه المترفون منّا وساقوا

وسلاما على العراق واهلا                بالمنافي ان ضاع منا العراق

 

وعلى ضوء هذا فقد كان لصاحب الذكرى مسارا عريضا وفضاءا رحبا ابتعد فيه عن التحزب الضيق والتحالفات والمحسوبيات والطائفية. فكان علما ومضربا للمثل توثقت علائقه الاجتماعية بوثائق اخلاقية بعيدة عن النفعية والوصولية.

ما ميز المرحوم مصطفى جمال الدين باعتباره ثاني (شعراء الخشبة)2 انه لم تخلوا فترة من فترات حياته الا وسجل فيها نقمته على الوضع المتردي.كما ولا نجد قصيدة من قصائده الا وسجّل فيها الحنين والانين الى الوطن، فيضفي على القصيدة نوعا من التلاحم والتناسق الشعري الجذّاب، جاعلا المتلقي يسبح متأملا في ثنايا الكلمات ومصغيا الى اشطر القصيدة بعناية فيجد نفسه يكمل عجز البيت دون سابق معرفة. ان دل هذا على شئ فانما يدل على مدى صدق الكلمات وتعبيرها الرائع عن هموم الجماهير المتطلعة الى غد اكثر اشراقا وعنوانا عريضا يضم كل العراقيين بكل التلاوين والاطياف.

لم يدب اليأس يوما في عروقه العراقية الاصيلة، ولا فقد الامل بشعب العراق المجاهد الصابر، فما برحت انتفاضة شعبان عام 1991 على الانتهاء ولجوء المنتفضين الى رفحاء السعودية حتى لعلعت حنجرته رغم ما بها من جراحات وكدمات مرددة:

 

وهنيئا لحاضني (القائد الرمز)               وما يحضنون   هذا الرهـانُ

نام أطفاله  لديه   وغصت                     ببقايا  اطفالنا الوديـــانُ

غير أنا على الصحارى وما هنٌا                     وهم في ذرى القصور وهانـوا

وبأن(الحزب) الذي كان  جيشا                     يرعب  الناس  هوله ألعبــانُ

والزعيم  الذي حشرنا (حمورا               بي) بتمثاله  العظيم   جبــانُ

وبان الشعب الذي كان  يوما             مرتع الشك    كله  إيمــان

ثار زحفا يحطم الخوف  حتى                          لم   يعد   فيه  للقيود   مكـانُ

كربـلا آته تناست ماسيها                        وغطى (عاشورها   شعبــان)ُ

 

وفي موضع اخر من قصيدة اخرى:

وشعب ابت اهواره وهضابه              رضوخا فكان القتل والجوع والظما

ومن لم تذق ام المعارك نصره           اذاق بنيها النصر موتا محتما

هنيئا مريئا بعث العراق هذه                 نهاية حزب بالاكاذيب نظّما

بنيتم فأعليتم صروح نظامه               شوامخ لكن بالجماجم والدما

 

 

ابتعد شاعرنا كل البعد عن التطرف السياسي، بل انتقده اشد انتقاد حتى قبل ان يصبح العراق جمهورية وليدة او وطن محطم تحرك سياسته وثرواته ثلة من الطائفيين والمنتفعين على حساب هموم وقضايا الوطن الكبير. فردد في العام 1954 في احتفال عام:

 

يادعـاة اليسـار لو حكم العقــل                             لكنتـم في (الجبهتين) عبيـدا

لست أرضى للحـر في القيد أن يسأل                     هل كان فضـة أم حديــدا ؟

رقـة الثـوب في المشوهة البلهــاء                  لم تعطها الجمــال الفريـدا !!!

 

 

التفاخر بالماضي المجيد لتلك الامة حالة لم يتقادم عليها الزمن عند السيد مصطفى جمال الدين. وارادة الامة عنده وهج يظل على مدى التأريخ. وسكون الجماهير والثوار لا يعني الخنوع وانما التخطيط والتدبير هو المحرك والمسير في حالة انتظار دائمة ويقضة منتبه ومعتد لفرصة الانقضاض.

وحين دارت بنا الايام دورتها                 واستعمرتنا طواغيت واشرار

ما نام ظالمنا الا على حسك                           ولا تنبه الا وهو منهار

 

اضف الى ذلك ان ما يميز شعر الدكتور مصطفى هو ملئه بالامل واستنهاض الهمم. فزرع الامل في نفوس الجماهير خط يرى فيه الدكتور امض من زرع قنبلة. فبالامل تحيا الامم . الى جانب ذلك كله فللتأريخ دور يرى فيه الشاعر محركا ومرّغبا للشارع العراقي للمواصلة في طريق الجهاد والنضال. ذلك التأريخ الممزوج بالانتصارات الاسلامية والحضارة القرآنية المحمدية:

 

عودي لامسك ينطلق منك الغد           ما شع في دمك النبي محمد

يا امة يبس الزمان وعودها           ريان من نبع النبوة املد

 

الى ان يقول:

فالمجد لا ترقى اليه امة                لم يبنى فيها بالضحايا مِصعَد

يا امة القران لم يذبل على                   شفتيك هذا اللؤلؤ المتوقد

 

وكان لنبأ استشهاد رواد الحركة الاسلامية الاوائل في العراق وقع صاعقي على شاعر النخيل المقفى. تلك الدماء الزكية التي اراقها حاكم بغداد بدم بارد ما برح لايرُوى منها فكلما شرب جرعة طلب اخريات. وهكذا استمر حمّام الدم من جانب واحد لم يتوقف طيلة ثلاثين عاما ونيف. فوقف الشاعر بمرثية لدماء ال الحكيم وكل شهداء العقيدة والمبدأ دون تردد او خوف او مداراة مبرهنا انه بشموخ وتحدي ثاني شعراء الخشبة بلا منازع:

 

مرحبا يا مصارع الشهداء                              طهّري ذلنا بفيض الدماء

عطشت كربلاء من كثرة الدمع             وغصّت جراحها بالرثاء

واعصفي بالذحول يا (عبد شمس)               فمصابيحنا لغير انطفاء

 

وبذلك يرى البعض بان السيد مصطفى جمال الدين قد افرط بحب العراق والعراقيين. ترى الا يستحق العراق الافراط بالحب ؟ لعمري ليس في العالم بلد ضم الانبياء والاوصياء والصالحين مثلما ضم العراق ! فلم يفرط بحبه للعراق، بل فرّط العراق بحب جمال الدين مُكرَها فابتعد الحبيب عن حبيبه لا رغبة، بل رهبة وخوف على عقيدة صلبة لم تستطع ان تهزهزها نكبات الدهر ونوائبه. فالعراق (كل العراق)، كان شاهدا حيا في ضمير جمال الدين مؤكدا ان الحقيقة والتأريخ الناصع شئ ولسان الحاكم شئ اخر:

 

وسيبقى غير الفراتين لم يصـ           ـنع عراقا وليخسئ النسيان

كيف غالوا دم الشعيبة والعشـ       ـرين والكوت واستباحوا وخانوا

كيف تظمأ بنت الرميثة في نجـ           ـد وتسقى فراتها الذؤبان

الى ان يقول

وليقل ما يريد ولينشر الاعـ           ـلام ما شاء بثه السلطان

فسيأتي يوم ينطق الحـ              ـق بليغا ويخرس الخيزران

وسترتد كل شاخصة خجـ              ـلى وتبقى لاهلها بغدان

الفراتان ماء يعرب لا الاتـ              ـراك ترعاهما ولا ايران

 

فغادر شاعر النخيل المقفى غريبا تداعبه ذكريات النجف واتراح الصبى في قرية المؤمنين. وفي الوقت الذي افنى عمره في خدمة الوطن الكبير وعينه مفتوحة لعراقه وهو يردد:

 

يا انت يا وطنا حملت ربوعه                في غربتي، وجمعته بشتاتي

عيناك منبع رافديه، وملتقى             فرعيك خضر مروجه النظرات

ورأيتني وانا بجلّق مالئا               سوق الشيوخ علي ست جهات

وطني رماد جنائن محروقة             وانا وانت هنا رماد حياة

 

في هذا الوقت العصيب الذي تشرأب فيه عيني ضيف الرحمن الى وطنه واحبته، لم يجد حين وفاته بقعة عراقية تضم ذلك الجسد الشريف الذي اتعبه وأضناه حب العراق الذي لم يفوقه حب الا حب الله. فرحل كطود شامخ مخلفا فراغا سياسيا واجتماعيا على مستوى العراق، وادبيا وسياسيا على مستوى العالم العربي والاسلامي. فكان خسارة وثلمة لا يسدها شئ. فلن ننعاك ابا ابراهيم، فانت حي في ضمير العراق والعراقيين ولن تموت حتى تجف دجلة عن العطاء وتموت اخر نخلة على نهر الفرات. فانت شاعر العراق.



 ( 1 تيمورلنك: الذي خرّب بغداد، وجعفر البرمكي الذي كانت زاهية في عصره

2  ) اولهم: دعبل الخزاعي الذي قال قولته المشهورة (احمل خشبتي هذه منذ اربعين عاما ولا اجد من يصلبني عليها).

 

جريدة (الزمان) العدد 1348 التاريخ 2002 - 10 - 26

http://217.158.5.9/azzaman/articles/2002/10/10-25/678.htm

 

 

               
 

 

اتحاد الكتاب والصحفيين العراقيين في المهجر

مبضع الجرّاح