الصفحة الرئيسية

الارشيف 
 2000 - 2001 - 2002 - 2003 - 2004 - 2005 - 2006 - 2007 - 2008 - 2009

السياسة حلوة كالعسل مرّة كالحنظل!

رياض الحسيني

كاتب وناشط سياسي عراقي مستقل

www.zaqorah.com  

التحالف الستراتيجي بين المكونين الرئيسيين الشيعة والاكراد ليس وليد اللحظة، فاذا ماتجاوزنا حقبة الحرب على ماسمي "الانفصاليين العصاة" والفتاوى التي صدرت من المراجع الشيعة بتحريم قتال الكرد، فان فترة المعارضة لنظام صدام حسين وخصوصا بعد انتفاضة عام 1991 تعتبر فترة خصبة لهذا التحالف الذي ترسّخت جذوره واشتد عوده بعد الاطاحة بنظام البعث وصدام عام 2003.

تحالف الطرفان اخذ بعدا ميدانيا اكثر ونضج من خلال جملة من الخطوات الجادة فبعد ان كان مجرد تحالف للضحايا صار بعد استلام السلطة له طعم اخر فيما هو طعم الحكم والمال والاضواء فاتضّحت معالم هذا التحالف اكثر وصارت الفائدة المتبادلة عموده الفقري. تعتبر فترة حكم رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي فترة ماسية للاكراد وماجنوه من هذاالتحالف الذي كان فيه المالكي جادا الامر الذي حصلت من خلال الكتلة الكردستانية على كل مطالبها. كذلك فان الكردستانية قد اثبتت وعبر كل افرازات التغيير من الديكتاتورية الى الديموقراطية اثبتت انها قادرة على استخدام الادوات السياسية بحنكة ودراية اكثر من الاخرين الذي بدوا في امس الحاجة الى دعمها للحصول على رأس الهرم فيما هو رئاسة الوزراء. اضف الى ذلك فان الكتلة الكردستانية ومن خلال الواقع المعاش وتبعا لحساباتها السياسية الصحيحة فانها قد اختارت التحالف مع المكون الاقوى والاكثر تأثيرا ولو تغيرت موازين القوى لتغير موقفها حتما. اذن ما الذي يجعل رئيس اقليم كوردستان السيد مسعود البارزاني ان يتبنى الدعوة الى انتخابات مبكرة؟! الجدير بالذكر ان التيار الصدري هو الاخر صار يتبنى علنا وبلا وجل هذه الدعوة، ايضا ماهو السبب؟!

مايجمع كتلة الاحرار بالكتلة الكردستانية هو خيط رفيع يمكن تلمّسه من خلال هذه الدعوة التي من خلالها سيكون كل منهما في مأمن من النقمة الشعبية من جهة ونقمة ائتلاف دولة القانون من جهة ثانية وامان اكبر من جهة الفائز باكبر عدد من الاصوات في حال نجحت مبادرة الدعوة الى انتخابات مبكرة ثالثا. كيف هذا؟!

قضية نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي حرّكت الشارع العراقي برمته وصارت بتدبير او بخلافه قضية رأي عام بين مؤيد ومعارض ومتحفّظ، لكن في نهاية المطاف لها تداعيات على الكتل باعتبارها ممثلة للشعب والاخير لايعطي صوته لمن لايلبّي رغباته ولايدغدغ مشاعره. فصار المالكي في نظر غالبية الشيعة ان لم يكن كلهم وبعض السنّة بطلا وقائدا صلبا لايخاف في الله لومة لائم. في الضفة الاخرى صار الهاشمي ملاحقا وبطبيعة الحال صار أغلب السنّة مطاردون ومحكومون بتهمة الارهاب. في هذا التحشيد الطائفي والشحن الاعلامي صارت الكتلة الكردستانية على المحك ايضا نظرا لاحتضانها طارق الهاشمي الذي صدرت بحقه مذكرة القاء قبض واحضار وفقا للمادة الرابعة ارهاب. مما يتضح فان قضية الهاشمي ان لم يتم التعامل معها بحذر فانها ستكون قاصمة وستطيح بكتل وترفع اخرى!

هنا لعبت السياسية دور المرآة العاكسة لوجهين احدهما جميل والاخر قبيح ففي الوقت الذي لايستطيع فيه التيار الصدري ومن خلال كتلته البرلمانية الاحرار فك ارتباطهم بائتلاف دولة القانون علنا خوفا من النقمة الشعبية وبالتالي خسارة فادحة في مسلسل الانتخابات المبكرة، فانها قد اثرت الدعوة لها من طريق فشل الحكومة في تحسين اوضاع المواطنين وضرورة توفير الخدمات لهم. دعوة عسى ولعلى ان تأتي بمفاجأة تدني لشعبية طرف تكون سببا ليرتفع بها الاحرار قليلا وتكون لهم عونا في مباحثات جادة من موقع القوة خصوصا وان الاحتلال الامريكي قد انتهت قصته. هنا لابد من الاشارة الى ان دعوة التيار الصدري لانتخابات مبكرة لها مبرر اخر يتمثل في تحرك الحكومة العراقية باتجاه احتواء مجموعة (عصائب الحق) بقيادة الشبخ أوس الخفاجي ذات الاصول الصدرية ايضا وهو مايعده السيد مقتدى الصدر ضربة في الصميم خصوصا وانه قد وصفهم بانهم "قتلة ومجرمون"!

الكتلة الكردستانية هي الاخرى قرأت الواقع قراءة موضوعية ففي الوقت الذي لاتستطيع فيه فك ارتباطها بائتلاف دولة القانون الذي صار مخيفا لدرجة انه صار مستقطبا لاعضاء الكتل الاخرى الامر الذي يهدد مكاسبها ان استمرت الحال على ماهو عليه، فانها اي الكردستانية قد انتهجت الدعوة لانتخابات مبكرة لاسباب عديدة اولها، الضغط على رئيس الوزراء ليقدم تنازلات اكثر ان تراجعت هي عن فكرة الانتخابات المبكرة. ثانيا، في حال نجحت فكرة الانتخابات المبكرة فانها ستكون في مأمن من المالكي وغيره باعتبارها قد تبنّت مشروعا وطنيا للخروج من الازمة التي يمر بها البلد وبذلك تكون قد سجّلت نقطة مضيئة لدى الطرف الاخر المناوئ! اما ثالثها، مساندة دعوة العراقية لسحب الثقة من حكومة المالكي يبدو مستحيلا في مثل تلك الظروف لانه ووفقا للمعطيات يعتبر انقلابا على كل التفاهمات السابقة فضلا عن انه سيظهر الكتلة الكردستانية ومن وراءها كل الاكراد انهم لايهمهم امر العراق والعراقيين بالقدر الذي تهمهم مصالحهم فقط، وهذه مجازفة لاطاقة للكردستانية بها.

لذلك كله ووفقا لحسابات الربح والخسارة والحقل والبيدر تبدو الكردستانية والاحرار قد اعلنوا موقفهم صراحة من الحكومة الحالية ولكن على استحياء فضلا عن انه اعلان يخفي موقفا يضمن لهما حرية الحركة اماما وخلفا وبما تمليه المتغيرات السياسية ويتوقف ايضا على كم التنازلات وحجم المرونة الذي سيبديه ائتلاف المالكي مع مطالبهم لضمان استمرار فترة حكمه لعامين اخرين. في الجانب الاخر وبعد ان اعلنت كتلة العراقية انها بالضد من الدعوة الى انتخابات مبكرة، فانه قد صار موقف ائتلاف المالكي اقوى لدرجة انه سيكون مرتاحا وهو يوزّع الحنظل والعسل وكل حسب استحقاقه الشعبي والانتخابي! هكذا هي السياسة عسل وحنظل!

 

كانون الاول 30 2011

© Copyright zaqorah.com all rights reserved                                              لامانع من اعادة النشر مع ذكر المصدر

اتحاد الكتاب والصحفيين العراقيين في المهجر